بين رحيل الممثّل اللبناني المعروف أنطوان كرباج وذكرى عيد الأمّ الذي نحتفل به في بلداننا مع أول يوم من فصل الربيع، استفاقت فيَّ ذكرى قديمة جمعت بين الاثنين. كنتُ طالبة سنة أولى في كلّية الفنون الجميلة في بيروت (قسم المسرح)، وكنت قد دخلتها بمباراة صنّفتني الأولى، وهو ما لفت إليّ انتباه الأساتذة منذ البداية، وجعلهم يُسرُّون باسمي إلى أنطوان كرباج، الذي جاء في نهاية العام الدراسيّ يختار ممثّلين شبّاناً من الكلّية لكي يشاركوا في أداء مسرحية من إخراجه ومن كتابة أنطوان غندور. المسرحية تناولت، بالطبع، لا حرب لبنان الأهلية الإشكالية، موضوع الساعة آنذاك، بل الاعتداءات الإسرائيلية الغاشمة على الجنوب. كان العرض سيقام في الرباط، على مسرح محمد الخامس، في إطار "المهرجان العربي للشباب". لم أكن قد سافرتُ أبداً بعد، وكان اختياري فرصةً خياليةً خلتها ستفتح أمامي الأبواب كلّها، فركضتُ إلى البيت لاهثةً لا تسعني الدنيا أزفّ إلى العائلة النبأ السعيد، غير مشكّكة ولو لحظة باحتمال رفضه، إذ لم يمانع والداي دخولي كلّية الفنون، طالما كنتُ أتابع دروسي في كلّية أخرى، وقد أوكلا إليَّ مسألة اختيار اختصاصي، إذ كنتُ الابنة المتفوّقة في دروسها التي لا يُخشى عليها من سوء الاختيار.
رفعت والدتي حاجبيها تعجّباً، ثمّ (بعد صمت) وضعتْ الساق على الساق، وقالت بصوت واثق وشبه آمر: "لا، يستحيل أن تسافري هكذا مع أناسٍ لا نعرفهم". "ولكن، هم معروفون، ماما"، أجبتُها، و"والدي موافق"، فتابعتْ: "نعرفهم كما يعرفهم الآلاف، صحيح، لكن هذه ليست معرفة.. اسمعي، تقولين للسيد كرباج أن يأتي لزيارتنا، وسأفكّر في الموضوع". "ماذا؟"، صرختُ غير مصدّقة، إذ كيف تطلب منّي هذا ومفاده إخراجي من المشروع ومنعي من السفر. حين أخبرت أبي باكية، ضحك، وأشار عليَّ بأن أسمع كلمتها وسيكون كلّ شيء على ما يرام. في اليوم التالي، أخبرت أنطوان كرباج بطلبها والدمعة في عيني، فابتسم ووافق مباشرة على أن يزورنا ويطلب لي الإذن.
لم أرَ أمّي تتصرّف هكذا من قبل، رتّبت نفسها وتزيّنت باعتدال، وحين قُرع الباب ودخل الممثل الكبير، وقفتْ ورحّبتْ به كما لو كانت هي النجمة وهو يزورها، ثمّ سألت عن صحّته واستفسرت عن مشاريعه، فبدا مرتاحاً، حتى إنها مازحته، فضحك وحادثها وحادثته في كلّ شيء، إلا في مسألة سفري. كنتُ أنظر إليها غير مصدّقة فِعلها، وقد أدركتُ أنها كانت راغبةً في رؤيته من قريب وحسب، وأنّ هذا كان بالنسبة إليها إغراءً أكبر من أن يُقاوَم. لعب أنطوان كرباج اللعبة بمحبّةٍ وتواضع، لم يغب عنه الأمر وهو المعتاد على مئات المعجبين، وحين طمأنها، في نهاية اللقاء، إلى أنني سأكون في الحفظ والصون، أجابت: "لا شكّ لدينا، ولا نخشى عليها شيئاً وهي معك"... معقول؟!
كان أنطون كرباج، نجم المسرح والتلفزيون بلا منازع، بطل مسلسلي "البؤساء و"بربر آغا"، والقائد الروماني في مسرحية "بترا" للرحابنة وفيروز، وكانت أمّي مشروعاً غامضاً لممثّلة، هي التي سبق أن أخبرتني عشرات المرّات أنها كادت تصبح ممثّلةً معروفةً في مصر، من وزن نور الهدى وصباح، لولا رفض جدّتي "القدّيسة" القاطع، وخوفها من الربّ. تجلس أمام فنجان قهوتها وتخبرني عن الحفل الذي كان يقام في متحف جبران كلّ عام، وتُدعى إليه كبار الشخصيات من أدباء وفنّانين، وكيف أن أحدهم سمعها مرّة تغنّي في الحفل من وراء جدار، وراح يصرخ: "الله أكبر"، قبل أن يراها لاحقاً فيعرض عليها "تبنّيها" واصطحابها إلى القاهرة فوراً. وبرغم جاذبيتها وجمال صوتها، كانت أمي تُمتعني بحكاية لطالما اعتبرتها مبالغةً، إلى أن رأيتُها تقارع الكبير أنطوان كرباج بنجومية مستجدّة، فصدّقتها. رحم الله نجماً مبدعاً متواضعاً، ورحم أمّي.
