السياسة الإيطالية في ليبيا: حسابات المصالح بالعلاقة مع المليشيات

منذ ٢ شهور ٣٤

يختلف التعاطي الليبي والإيطالي مع قضية اعتقال أسامة نجيم، أحد أبرز قادة المليشيات الليبية، في إيطاليا، وإطلاق سراحه في ما بعد. فبينما يتصاعد الجدل حول القضية في روما إلى حدّ المطالبة بمحاسبة مسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة الإيطالية، لا تزال السلطات في ليبيا تلزم الصمت. 

امتعاض في روما

والثلاثاء الماضي، وصل أسامة نجيم، آمر جهاز الشرطة القضائية، إلى طرابلس وسط احتفال أنصاره به داخل مطار معيتيقة الدولي، على متن طائرة إيطالية خاصة بعدما أطلق سراحه إثر اعتقاله على يد السلطات الإيطالية خلال وجوده في مدينة تورينو. وعلى الرغم من صدور مذكرة اعتقال بحق نجيم من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية ارتكابه جرائم وانتهاكات، إلا أن السلطات الإيطالية أرجعت سبب إطلاق سراحه إلى خطأ في الإجراءات تمثل في عدم إخطار شعبة التحقيقات العامة والعمليات الخاصة في مدينة تورينو وزارة العدل بالقبض عليه. وفيما واصلت الأوساط الإيطالية احتجاجها على تصرف الحكومة مطالبة بمحاسبتها، أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، أن قرار إطلاق نجيم صدر عن محكمة الاستئناف الإيطالية وليس حكومتها، وبررت سبب ترحيله على متن طائرة حكومية إيطالية بأنه شخصية خطرة. 

نجيم متهم من الجنائية الدولية بارتكاب جرائم وانتهاكات

ودخلت على الخط النقابة الوطنية للقضاة في إيطاليا، التي أصدرت أمس الأحد بياناً كذبت فيه التصريحات التي أدلت بها ميلوني، والتي انحازت فيها لما أعلنه وزير الداخلية ماتّيو بيانتيدوسي أن إخلاء سبيل نجيم جاء بناء على أمر قضائي، مشيرة إلى أن الحكومة اتخذت قرار إبعاده لأنه عنصر خطير. وذكرت النقابة، في بيانها: "الحقيقة أن إخلاء سبيل نجيم يوم 21 يناير/كانون الثاني الحالي مرجعه تقاعس وزير العدل (كارلو نورديو) الذي كان بإمكانه، وكان يتعين عليه احتراماً للالتزامات الدولية، طلب حبسه احتياطياً تمهيداً لتسليمه إلى الجنائية الدولية". ورأت أن نجيم "أُخلي سبيله بناء على خيار سياسي".

في ليبيا، لم يصدر أي موقف من جانب حكومة الوحدة الوطنية، خصوصاً وزارة العدل التي يتبعها نجيم بصفته آمراً لجهاز الشرطة القضائية، فيما دعت البعثة الأممية، أمس الأول السبت، السلطات في طرابلس إلى اعتقال نجيم وبدء التحقيق في الجرائم الموجهة إليه من "الجنائية الدولية"، التي أوضحت أنها تشمل "جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما في ذلك القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي"، أو تسليمه إلى المحكمة "بما يتماشى مع إحالة مجلس الأمن الوضع في ليبيا إلى المحكمة". ولم يرد مكتبا الإعلام في الحكومة وفي وزارة العدل على أسئلة "العربي الجديد" بشأن موقفهما حيال مطالبة الأمم المتحدة بالاستجابة لمذكرة اعتقال نجيم.

ولا يرى المحامي والناشط الليبي إبراهيم النجاح في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الرواية الإيطالية حول إطلاق سراح نجيم "مقبولة أو صحيحة"، متسائلاً أنه "إذا كان السبب خطأ إجرائياً في عدم الإبلاغ عن مذكرة الاعتقال، فما سبب الاعتقال من أصله؟". ويضيف النجاح أن "كلّ القضية تثير شبهات كبيرة حول وجود اتصالات جرت في الكواليس مع طرابلس دفعت روما للتراجع عن قرار اعتقالها لهذا المليشياوي، ربما حفاظاً على مصالحها في غرب البلاد التي يمكن أن يهددها أنصاره".

تعقيدات العلاقة بين ليبيا وإيطاليا

وعن صمت حكومة الوحدة، يعتبر النجاح أن أي موقف من الحكومة "لن يكون كافياً في توضيح ما جرى، فهي لا تملك أي سلطة حيال نفوذ المليشيات القابضة على مفاصل القرار والحكم". ويلفت إلى أن علاقة إيطاليا بليبيا مختلفة ومرّت بالكثير من التعقيدات، فبالإضافة إلى تاريخها الاستعماري المليء بالأحداث، هناك الموقع الجغرافي للبلدين الذي هو على تماس في الكثير من المصالح، مضيفاً أن روما تدرك أن علاقاتها مع طرابلس "لا تحمل أسساً متينة لتحسينها فضلاً عن تمتينها، وأن علاقتها غير الحسنة بالليبيين لا يمكن إخفاؤها عن المجتمع الدولي". 

ويجدد تعامل السلطات الإيطالية مع قضية نجيم، الحديث عن طريقة تعاملها مع قادة المليشيات. ففي أغسطس/آب الماضي احتجزت الأجهزة الأمنية في مطار نابولي، نجل قائد مليشيات شرق ليبيا خليفة حفتر، صدام، بعد ظهور اسمه على قاعدة بيانات مشتركة للاتحاد الأوروبي كمطلوب للسلطات الإسبانية على خلفية إضراره بمصالح تتعلق بشركة ريبسول النفطية الإسبانية بليبيا. وبدلا من تسليمه، أطلقت السلطات الإيطالية سراحه بعد ساعات من احتجازه. وفي يوليو/تموز 2017، كشفت وكالة أسوشييتد برس وصحيفة واشنطن بوست الأميركيتان عن عقد السلطات الإيطالية اتفاقات مع مليشيات غرب طرابلس، لوقف تدفق المهاجرين باتجاه سواحلها، وهو ما أكدته مليشيا أنس الدباشي بمدينة صبراتة غرب طرابلس.

وعلى الرغم من طول تاريخ العلاقة بين ليبيا وإيطاليا، إلا أن الحديث عنها مرتبط بملفات محددة، أبرزها ملف الهجرة غير النظامية، والطاقة، ففي الأول تعد ليبيا مصدر قلق مستمر لإيطاليا، وفي الملف الثاني، تعد روما من أكثر المستثمرين الأجانب في حقل الطاقة الليبي. 

وتحكم العلاقة الإيطالية بالجانب الليبي عوامل أخرى، من بينها التنافس الإيطالي الفرنسي في ليبيا، فبينما كانت باريس تدعم حفتر في الشرق، كانت روما قريبة من الحكومة والمجموعات المسلحة في الغرب. وبخسارة حفتر حربه على طرابلس وانسحاب أكثر أنصاره من حوله، ومنهم فرنسا، اتجهت روما لبناء علاقاتها مع معسكر شرق ليبيا، ففي مارس/آذار الماضي استضافت حفتر وعقدت معه اتفاقات تتعلق بدعمه للسيطرة على الحدود الجنوبية الليبية بهدف الحد من تدفق المهاجرين غير النظاميين، بالتوازي مع استمرار علاقاتها مع السلطة في طرابلس.

ويعتبر أستاذ العلاقات الدولية الليبي رمضان النفاتي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن إطلاق نجيم يلقي المزيد من المؤشرات على علاقات روما غير المعلنة مع قادة المليشيات الليبية، وذلك، بحسب رأيه، يعد مساهمة منها في تعزيز "سلطة الأمر الواقع التي تفرضها المليشيات". ويرى النفاتي أن إيطاليا على طول مسار علاقاتها مع ليبيا "تحافظ على مصالحها في هذا البلد، على حساب استقراره"، معتبراً أن تحالفات روما مع قادة السلاح كانت سبباً في تغذية الصراع الليبي. ويقول النفاتي، إن السياسة الإيطالية في ليبيا قائمة على التوتير والتأزيم"، معتبراً أنها "مقصودة، لأن تعدد الأطراف الليبية يخدم مصالح روما، فهي من تبنّت فكرة التقسيم الثلاثي في ليبيا زمن الاستقلال مع بريطانيا في مشروع بيفن سيفورزا الشهير، وعارضت بقوة توحيد الولايات الثلاث من بعد". ويشير إلى أن روما دفعت عبر أنصارها في حزب الاستقلال زمن الستينيات لمعارضة توحيد ليبيا.

قراءة المقال بالكامل