شهدت سورية، ليلة الأربعاء وفجر أمس الخميس، عدواناً إسرائيلياً جديداً، إذ شنّ الطيران الإسرائيلي سلسلة هجمات طاولت مطارات ومراكز علمية للبحوث العسكرية في عدة محافظات منها دمشق، فيما جوبهت محاولة تقدّم إسرائيلية إلى محيط بلدة نوى في ريف درعا الغربي، جنوب سورية، بمقاومة شعبية رد عليها جيش الاحتلال بالقصف، ما أسفر عن سقوط تسعة شهداء وعدد من الجرحى. جاء العدوان الإسرائيلي على سورية في إطار استمرار لاعتداءات لم تنقطع منذ سقوط نظام بشار الأسد، في الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي، لفرض واقع جديد، في الجنوب السوري تحديداً، ومنع قيام جيش سوري قوي مستقبلاً قد يشكل تهديداً للمصالح الإسرائيلية.
وشنّت طائرات الاحتلال سلسلة غارات جوية على مواقع عسكرية في دمشق ومحافظتي حماة وحمص وسط البلاد، مساء أول من أمس الأربعاء، استهدفت مطاري حماة العسكري الذي دُمر بشكل شبه كامل، ومحيط مطار "تي فور" في محافظة حمص، إضافة إلى مركز البحوث العلمية في منطقة برزة في دمشق. وبحسب وسائل إعلامية، نفذ الاحتلال نحو 18 غارة على مطار حماة العسكري طاولت مدرجاته وطائراته وأبراجه، ما أدى إلى خروجه من الخدمة إلى جانب استشهاد أربعة عناصر تابعين لوزارة الدفاع السورية. وأقر الجيش الإسرائيلي، ليل الأربعاء- الخميس، بأنه شنّ ضربات في دمشق وحماة وحمص. وقال في بيان إنه "أغار. في الساعات الأخيرة على قدرات عسكرية بقيت في منطقة قاعدتي حماة وتي فور السوريتين، إلى جانب عدة بنى تحتية عسكرية بقيت في منطقة دمشق"، معلناً أنه سيعمل "لإزالة أي تهديد على مواطني دولة إسرائيل".
وأعلنت وزارة الخارجية السورية، في بيان أمس، أن الغارات الجوية "على خمس مناطق مختلفة في أنحاء البلاد خلال 30 دقيقة، أسفرت عن تدمير شبه كامل لمطار حماة العسكري وإصابة عشرات المدنيين والعسكريين"، معتبرة أن "هذا التصعيد غير المبرر يشكل محاولة متعمدة لزعزعة استقرار سورية وإطالة معاناة شعبها". ودعت المجتمع الدولي إلى "اتخاذ موقف حازم والضغط على إسرائيل لوقف عدوانها، والالتزام بالقانون الدولي وتعهداتها بموجب اتفاقية فصل القوات لعام 1974"، كما حثت "الأمم المتحدة وجميع الجهات الدولية المعنية على اتخاذ إجراءات فورية لوقف هذا التصعيد ومنع المزيد من الانتهاكات".
العدوان الإسرائيلي على سورية شمل أيضاً تنفيذ الجيش الإسرائيلي، فجر أمس، توغلاً برياً إلى محيط بلدة نوى في أعمق توغل له في الأراضي السورية منذ إطاحة نظام الأسد. قوبل التوغل بمحاولة صد من قبل شبان عمد الاحتلال إلى إطلاق النار عليهم في حرش سد الجبيلية الواقع بين مدينة نوى وبلدة تسيل غرب درعا، ما أدى إلى سقوط تسعة شهداء و23 جريحاً، في حصيلة مرشحة للارتفاع، بعد العثور على جثث جديدة في الحرش، عقب انسحاب القوات الإسرائيلية، فضلاً عن وجود حالات حرجة في صفوف المصابين. وأغلقت الأسواق والمحال التجارية أبوابها في بلدة نوى حداداً على الضحايا وسط حالة من الغضب والاستنكار، فيما شيّع عشرات الآلاف من أبناء درعا، أمس، الشبان الذين استشهدوا أثناء انخراطهم في المقاومة ضد قوات الاحتلال.
وبحسب رواية الاحتلال، ذكر الجيش الإسرائيلي، في بيان أمس، أن قوات تابعة له نفّذت ليلاً "عملية" في المنطقة، حيث "صادرت أسلحة ودمرت بنى تحتية إرهابية". وأضاف أنه "خلال العملية، أطلق عدد من المسلحين النار على قواتنا في المنطقة، فردّت القوات بإطلاق النار عليهم، وقضت على عدد من الإرهابيين المسلحين". وادعى أن "وجود أسلحة في جنوب سورية يشكل تهديداً لدولة إسرائيل"، مضيفاً أن الجيش "لن يسمح بوجود تهديد عسكري في سورية وسيتحرك لمواجهته".
في غضون ذلك، ذكر الناشط الإعلامي يوسف المصلح، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن القصف الإسرائيلي خلّف 23 مصاباً، مشيراً إلى أن طائرات إسرائيلية ألقت، صباح أمس، منشورات حذرت فيها سكان قرية كويا بريف درعا من التجول مسلحين في القرية ومحيطها. كما حذر الاحتلال السكان من عبور طريق الوادي/ الشريعة باتجاه حوض اليرموك في ريف درعا الغربي. وتقدمت القوات الإسرائيلية لأول مرة إلى هذا العمق منذ بدء تدخلها في الجنوب السوري في ديسمبر الماضي. وأكدت شبكات إخبارية محلية أن اشتباكات وصفتها بـ"العنيفة"، جرت مع القوات الإسرائيلية المتوغلة في ريف درعا، مؤكدة وقوع خسائر في صفوف القوات الإسرائيلية ما أجبرها على التراجع. وبحسب شبكات إخبارية محلية، هناك تخوّف من اتساع نطاق العدوان الإسرائيلي على سورية والعمليات العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً في منطقة نوى، في ظل تردي الأوضاع الإنسانية، وتدهور الخدمات الأساسية وانعدام الاستقرار الأمني في المنطقة. وهذه ليست المرة الأولى التي يسقط فيها مدنيون بنيران الجيش الإسرائيلي، حيث استشهد سبعة سوريين، وأصيب العشرات، قبل نحو أسبوع، في قرية كويا الحدودية، حين تصدى أهالي القرية لتقدم دورية إسرائيلية نحو منازلهم باستخدام أسلحة صيد.
رفض العدوان الإسرائيلي على سورية
قوبل العدوان الإسرائيلي على سورية بتنديد عربي، إذ دانت وزارة الخارجية القطرية "الغارات الإسرائيلية التي استهدفت خمس مناطق في الجمهورية العربية السورية الشقيقة، وأدت إلى إصابة عشرات المدنيين والعسكريين"، معتبرة إياها "اعتداء صارخاً على سيادة ووحدة سورية وانتهاكاً سافراً للقانون الدولي". ودعت الوزارة في بيان، "المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل لإلزام إسرائيل بالامتثال للقوانين والأعراف الدولية ووقف الاعتداءات المتكررة على الأراضي السورية، بما يحول دون المزيد من التصعيد والتوتر في المنطقة".
كما دعت وزارة الخارجية الأردنية، في بيان أمس، "المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وإلزام إسرائيل وقف اعتداءاتها الاستفزازية اللاشرعية على سورية، وإنهاء احتلال جزء من أراضيها". كما دانت وزارة الخارجية المصرية، في بيان أمس، ما وصفته بـ"انتهاك صارخ جديد للقانون الدولي وتعدٍ سافر على سيادة الدولة السورية واستقلالها ووحدة أراضيها، استغلالاً للأوضاع الداخلية في سورية الشقيقة". وطالبت الأطراف الدولية الفاعلة بـ"الاضطلاع بمسؤولياتها تجاه التجاوزات الإسرائيلية المتكررة، وإلزام إسرائيل بإنهاء احتلالها للأراضي السورية، واحترام اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 (إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح بين إسرائيل وسورية)".
كاتس لأحمد الشرع: إذا سمحت للقوات المعادية بدخول سورية ستدفع ثمناً باهظاً
تحذير للمستقبل
انتهزت تل أبيب فرصة انهيار نظام الأسد لتغيير الكثير من المعادلات التي تحكم الجنوب السوري، وتضبط العلاقة مع سورية، مطيحة اتفاق "فك الاشتباك" الدولي المبرم في عام 1974 برعاية الأمم المتحدة. واحتلت إسرائيل المنطقة العازلة التي حددها الاتفاق، وقمة جبل الشيخ ومناطق أخرى، متجاوزة قوات حفظ السلام الأممية المنتشرة في المنطقة منذ خمسين عاماً. وحذّر وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أمس، الرئيس السوري أحمد الشرع، من عواقب وخيمة إذا تم تهديد أمن إسرائيل. وقال في بيان: "أحذر الزعيم السوري الجولاني: إذا سمحت للقوات المعادية بدخول سورية وتهديد مصالح الأمن الإسرائيلي، ستدفع ثمناً باهظاً"، موجها كلامه إلى الرئيس السوري باسمه الحركي السابق "أبو محمد الجولاني". وشدد على أن القوات الإسرائيلية ستبقى في المناطق العازلة داخل سورية وستتحرك للتصدي للتهديدات لأمنها، مضيفاً أن الضربات الجوية ليلة الأربعاء هي "رسالة واضحة وتحذير للمستقبل. لن نسمح بأي ضرر يلحق بأمن دولة إسرائيل".
مقاومة شعبية
في ظل عدم قدرة الجيش السوري الوليد على المواجهة مع قوات الاحتلال، بدأت ترتفع أصوات سوريين يطالبون بمقاومة شعبية لهذه القوات لوضع حد لتدخلها الذي "بات غير مقبول"، وفق عماد المسالمة، أحد وجهاء محافظة درعا. وأضاف المسالمة في حديث لـ"العربي الجديد": "نعم، الشعب السوري منهك بعد حرب مع النظام المخلوع استمرت نحو 14 عاماً، ولكن لدينا القدرة والاستعداد لمقاومة القوات الإسرائيلية بعد وصولها إلى نوى. هناك حالة استنفار لدى كل شباب المحافظة". وأكد أن أهالي محافظة درعا "يقفون مع الإدارة الجديدة في دمشق، ويدعمونها"، مضيفاً أن الأهالي يطالبون "هذه الإدارة بالدعوة إلى قمتين عربية وإسلامية لوضع حد لاعتداءات الكيان المحتل. من حارب نظام الأسد طيلة سنوات على استعداد لمحاربة إسرائيل".
مؤيد غزلان: التوغل والتسبب باستشهاد عدد من أبناء الجنوب سيلهبان المقدرات الشعبية ضد إسرائيل وهو أمر مشروع
وتعليقاً على استمرار العدوان الإسرائيلي على سورية ومقدراتها العسكرية، حذّر الباحث السياسي السوري، مؤيد غزلان، في حديث لـ"العربي الجديد"، من محاولات إسرائيل دفع المنطقة إلى "خسارة مكاسب الانحسار الإيراني وتراجع حزب الله اللبناني". وأضاف أن "إسرائيل تسعى جاهدة إلى إعادة الفوضى في المنطقة وبالتالي عودة إيران، ما يحمل الضرر للجميع بما فيها الولايات المتحدة التي أكدت مراراً أن أهم مكسب من انتصار إدارة العمليات العسكرية السورية على نظام الأسد هو انتهاء الدور الإيراني". وبيّن غزلان أنه "لن يكفل هذا المكسب إلا دولة مستقرة وقوية في سورية لأن القوة هي كفيل الاستقرار"، مضيفاً أن استمرار العدوان الإسرائيلي على سورية "وهذا الاستعداء والتوغل والتسبب باستشهاد عدد من أبناء الجنوب سيلهب المقدرات الشعبية ضدها وهو أمر مشروع دولياً".
وتشير الوقائع الميدانية على الأرض مع استمرار العدوان الإسرائيلي على سورية إلى أن المقاومة الشعبية لقوات الاحتلال الإسرائيلي "هي الخيار الوحيد أمام أبناء محافظة درعا"، وفق المحلل العسكري العقيد السوري، عبد الجبار العكيدي، الذي قال في حديث مع "العربي الجديد"، إن "المقاومة خيار السوريين في حال استمرار هذه العربدة الإسرائيلية". واعتبر أن "الدولة السورية ناشئة ولا قدرة لها على المواجهة في ظل اختلال ميزان القوى لصالح الكيان الصهيوني المدعوم غربياَ، لذا فإن المقاومة الشعبية لا بد تتصدى للتوغل الإسرائيلي".
رشيد حوراني: إذا لم تكن هناك مقاومة ستتمركز القوات الإسرائيلية وتقيم نقاطا وسواتر مسبقة الصنع
ومن الواضح في ظل العدوان الإسرائيلي على سورية أن الحكومة في دمشق، حذرة في التعاطي مع ملف الاعتداءات الإسرائيلية، وتكتفي حتى اللحظة بإصدار بيانات استنكار وإدانة ودعوة للمجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته في إجبار إسرائيل على الالتزام بالقوانين والأعراف الدولية الناظمة للعلاقات بين الدول. ولا يستبعد الباحث العسكري، رشيد حوراني، في حديث مع "العربي الجديد"، تقديم الإدارة السورية الجديدة الدعم للسكان في ريف درعا الغربي لظهور مقاومة شعبية ضد قوات الاحتلال، موضحاً أن "التوغلات الإسرائيلية البرية في جنوب سورية، خصوصاً التوغل الأخير فجر (أول من) أمس الخميس هي بمثابة جس نبض سكان المنطقة". وبرأيه "إذا لم تكن هناك مقاومة ورفض ستتمركز القوات الإسرائيلية وتقيم نقاطا وسواتر مسبقة الصنع"، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي حشد فجر الخميس قوات إضافية لتأمين انسحاب المجموعات التي توغلت في محيط بلدة نوى". واعتبر أن المقاومة الشعبية في محافظة درعا "تحتاج لتنظيم بحيث لا يغلب عليها العامل العاطفي لكي تكون مؤثرة".
