لا ينطبق على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خاصّة بعد عودته إلى البيت الأبيض قبل أشهر، ما ينطبق على رؤساء أميركيين سابقين، وعلى كثيرين غيرهم من زعماء العالم، أنّهم يقولون ما لا يفعلون. يُطلق ترامب تهديداً على المنصّات الإلكترونية، أو أمام كاميرات التلفزيون التي لا يُقاوم الانجذاب اليومي إليها، فيبدو التهديد أشبه بالخيال، لكن ها هو ترامب يُبرهن، المرّة تلو الأخرى، أنّه لا يُطلق بالونات اختبار، وإنّما يُعلن ما قد عقد العزم على فعله، بصرف النظر عمّا إذا كان قد وزن خطواته المزمعة من أوجهها المختلفة أم لا، ثمّ يشرع (من دون تردّد)، في الفعل.
قبل أسابيع، كتبت صحيفة ذا إندبندنت البريطانية، متحدثةً عن نهج ترامب: "شهدنا الآن ما يكفي من الأفعال لفهم ما يعنيه ذلك كلّه"، والمقصود بـ"ذلك كلّه" ما يُطلقه ترامب من تصريحات حول نيّاته، ولعلّ التجسيد الأكبر لذلك التعرِفات الجمركيّة، التي أعلن فرضها على البلدان المختلفة، من دون أن يستثني من ذلك أقرب الحلفاء لواشنطن عامّة، وله شخصيّاً أيضاً، ما جدّد الحديث عن "الترامبية" مفهوماً سياسياً اقتصادياً لا يمكن تجاهل الأثر الذي تركه، وسيتركه بصورة أكبر في المقبل القريب من مستقبل العالم.
وحسب "ذا إندبندنت"، الترامبية "مزيج من القومية الاقتصادية والحماية التجارية الصارمة، تُطبّق عبر المواجهة، سواء مع الحلفاء أو الخصوم"، يلخّصها شعار ترامب الأثير، الذي أطلقه في حملاته الانتخابية الثلاث، التي خسر إحداها وربح منها اثنتَين، وظلّ يرفعهُ خلال ولايته الأولى، وها هو يفعل الشيء نفسه، وبقوّة أكبر، في ولايته الجديدة، ويبدو صائباً للغاية ما خلصت إليه الصحيفة أننا "نشهد نقطة تحوّل في التاريخ، وكلّما طالت مدّة إنكارنا هذه التجربة السياسية الخطيرة، التي تجري في أميركا، قلّ الوقت المتاح لنا للردّ".
جعل ترامب من "الأمركة"، من خلال شعاره "أميركا أولاً"، بديلاً من العولمة، التي طالما قدّمتها أميركا للعالم بوصفها نظاماً عالمياً تتزعمه هي، فظهرت أقطاب دولية وازنة أعادت صوغ هذا المفهوم، بل لعلّ أميركا أدركت (ولو متأخّرةً) أنّ العولمة، بدل أن تكون أداةَ هيمنتها على العالم، أصبحت وسيلةً لظهور منافسين اقتصاديين أشدّاء، في مقدّمتهم الصين. ومن هنا، أصبحت العودة إلى "أميركا أولاً" شعاراً جاذباً، شعبياً، في أوساط الناخبين الأميركيين، الذين راقهم تشكيك ترامب الدائم في مدى جدوى ما تنفقه أميركا من أموال، من دون مقابل، على حلفائها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ويبدو تفكير ترامب هذا أبعد ما يكون عن تفكير رجل الدولة، وأقرب ما يكون إلى تفكير رجل الأعمال، بل إنّه نفسه تفكير رجل الأعمال، وقد أصبح سيّد القرار السياسي في الدولة الأهم، لا يُقلقه أن يُفكك النظام الدولي الذي كانت أميركا أهمّ بُناته.
ولعلّ هذا يُفسّر ردّات الفعل الصاخبة ضدّ قائمة التعرِفات الجمركية على الدول، التي أعلنها، في خطوةٍ قد ينطبق عليها ما حذّر منه المُحلّل الصحافي توماس فريدمان، حين قال إن خطوات ترامب تعكس "تفكيراً قصير النظر قد يؤدّي إلى خسائر أكبر على المدى الطويل"، فتدمير ما هو قائم، على نحوٍ فيه كثير من التهوّر، يدعو إلى الاستعداد لرؤية "ما سيحدُث للجميع"، وليس مؤكّداً أنّ خطواتٍ مثل هذه ستعود بالفائدة على الاقتصاد الأميركي، كما يزعم ترامب. وبحسب مجموعة أفكار للاقتصادي البحريني محمد عادل فخرو عن تعرِفات ترامب الجمركية، قال: "من غير المرجّح عودة وظائف التصنيع إلى الولايات المتحدة، على الأقلّ في المدى القريب، فالمستثمرون سيعتبرون أنّ هناك احتمالاً بإلغاء هذه الرسوم في المستقبل، ما يجعلهم متردّدين في ضخّ رؤوس أموالهم، كما أنّ تكلفة الأجور في الولايات المتحدة أعلى بكثير من الدول الناشئة، وأعلى من نسبة الرسوم المفروضة، ما يجعل التصنيع محليّاً غير مجدٍ اقتصادياً".
وفضلاً عن التضخم المتوقّع جرّاء ذلك، هناك أمر آخر، يصحّ عليه وصف فريدمان، بـ"التفكير قصير النظر"، الذي لا يحسب العواقب، أشار إليه فخرو هو "أن العالم مُقبلٌ على ركودٍ اقتصادي عالمي، فالرسوم الجمركية قد تؤدّي إلى تباطؤ اقتصادي في آسيا. ومن الناحية النظرية، ستدخل أميركا أيضاً في ركود نتيجة انخفاض الإنتاجية، الناتج عن ارتفاع الأسعار"، وبتقدير فخرو أيضاً فإن "الإجراءات الانتقامية من الدول الأخرى ستؤثّر في الصادرات الأميركية، وتؤدّي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي".
