عاصفة ترامب الاقتصادية: قرارات تقلب طاولة الأسواق العالمية

منذ ٢ شهور ٤٥

لم يترك الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم يأخذ نفساً، حيث بدأ ولايته بعاصفة من القرارات والتوجيهات الاقتصادية التي أثارت الكثير من ردات الفعل الدولية، بدءاً من وقف العمل عن بعد، مروراً إلى الانسحاب من عدد من الاتفاقيات الدولية، وتعليق المساعدات الخارجية، وصولاً إلى التلويح مجدداً بعصا الرسوم الجمركية ضد عدد من الدول الكبرى، كما لو أنه جاء متعطشاً للانتقام من السياسات التي سادت بعده في ولاية جو بايدن، وللرد على الاتهامات التي طاولته طوال السنوات الماضية، ليعود بزخم أكبر إلى شعار "أميركا أولاً".

واستعادت الأسواق ذكرياتها مع عودة ترامب إلى الحكم، حين كانت تتخبط مع كل قرار مثير للجدل يعلنه الرئيس المتطرف بسياساته كافة، إذ تلقت الأسواق المالية تذكيراً مبكراً بالحياة في عهد ترامب، وتحول الارتياح الأولي إزاء عدم فرض رسوم جمركية شاملة فورية على جميع الشركاء التجاريين إلى شعور بالدوار، مع تعهدّه بفرض رسوم على المكسيك وكندا في غضون أسابيع.

وبحسب "بلومبيرغ" فقد كانت الأسهم الأوروبية مستقرة، لكن شركات صناعة السيارات، التي تتأثر بشكل خاص بالرسوم الجمركية، انخفضت بنحو 1%. وهبطت أسهم شركات الطاقة المتجددة، بعد أن أمر ترامب بتجميد مشاريع طاقة الرياح البحرية.

سيناريوهات مختلفة

وقال كريستوفر ديمبيك، المستشار الاستثماري الكبير في بيكتيت لإدارة الأصول: "من الواضح أن هذا ليس أسوأ سيناريو محتمل من حيث التجارة. يركز ترامب على كندا والمكسيك، ولكن ليس على أوروبا في الوقت الحالي.

ومع ذلك، فإن السوق الأوروبي يعرف أن ترامب سيأتي عاجلاً أم آجلاً". وأعلن ترامب، الاثنين، بأنه قد يفرض رسوماً جمركية بنسبة 25% على الواردات من كندا والمكسيك في موعد أقربه الأول من فبراير/ شباط، بينما تعهّد بإجراءات ضد بلدان أخرى كجزء من سياسة واشنطن التجارية الجديدة. وعاود تهديد الشريكين التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة، بعد ساعات على أدائه القسم، متهماً جاري بلاده بالفشل في منع الهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة.

كما وقع ترامب، الاثنين، مرسوماً يوجّه الوكالات لدراسة مجموعة من القضايا التجارية بما يشمل العجز والممارسات غير المنصفة والتلاعب بالعملات. ومن شأن هذه الدراسات أن تمّهد لرسوم إضافية. كذلك دعا إلى إعادة النظر في اتفاقية واشنطن للتجارة مع المكسيك وكندا، واتفاقها مع الصين الذي أدى إلى هدنة في حرب رسوم جمركية سابقة. وتعهد ترامب في وقت سابق، الاثنين، بـ"بدء إصلاح فوري" لمنظومة التجارة الأميركية "لحماية العمال والعائلات الأميركية".

وقال في خطاب تنصيبه "بدلاً من فرض ضرائب على مواطنينا لإثراء بلدان أخرى، سنفرض رسوماً جمركية وضرائب على البلدان الأخرى لإثراء مواطنينا".

وتفيد بيانات التجارة الرسمية بأن المكسيك وكندا والصين تعد أكبر مصادر للمنتجات التي تستوردها الولايات المتحدة. وفي تصريحاته في المكتب البيضاوي، تحدث ترامب عن اختلال الميزان التجاري مع الاتحاد الأوروبي أيضاً، قائلاً إنه لا يستورد ما يكفي من المنتجات الأميركية. وأضاف أنه "سيصلح ذلك" عبر اللجوء إلى الرسوم، أو حض التكتل على شراء مزيد من النفط والغاز.

ردة فعل الأسواق

وتأرجحت العقود الآجلة للأسهم الأميركية بين المكاسب والخسائر مع قيام المتداولين بوزن ما تنبئ به التعهدات المحدودة فيما يتصل بالتضخم.

وارتفعت الأسهم الصينية في غياب الإعلانات عن الصين، رغم تحذير المحللين من المبالغة في تفسير اليوم الأول لترامب في منصبه. وكانت ردة فعل السوق هي انخفاض مفاجئ للدولار الكندي والبيزو المكسيكي، الثلاثاء، مما ساعد الدولار على تقليص الخسائر التي تكبدها الاثنين. وارتفع الدولار 1.2% إلى 1.4475 دولار كندي، بينما زاد 1.3% أمام البيزو المكسيكي. وصعد مؤشر الدولار 0.6% إلى 108.65، بعد أن فقد 1.2% الليلة الماضية في ما كان أشد خسارة يومية منذ أواخر 2023.

وانخفض اليورو إلى 1.0364 دولار، من أعلى مستوى في وقت سابق عند 1.0434 دولار. ويحقق الاتحاد الأوروبي فائضاً تجارياً كبيراً مع الولايات المتحدة، ويُنظر إليه باعتباره هدفاً رئيسياً لرسوم ترامب الجمركية. كذا استقرت أسعار الذهب، الثلاثاء، في المعاملات الفورية عند 2707.19 دولاراً للأوقية (الأونصة) بحلول الساعة 0107 بتوقيت غرينتش. وانخفضت العقود الآجلة الأميركية للذهب 0.7% إلى 2730 دولاراً.

وفي حين يُنظر إلى الذهب تقليدياً على أنه تحوط من التضخم، يُنظر إلى سياسات ترامب على أنها تغذي التضخم، مما قد يدفع مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) إلى الحفاظ على أسعار فائدة أعلى، الأمر الذي يؤثر في جاذبية الذهب.

ومنذ فوزه في الانتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني، تأثرت كل الأسواق، من الدولار الأسترالي إلى الأسهم الأوروبية، بالقلق من أن تؤدي التعريفات الجمركية الواسعة النطاق إلى تفاقم الاحتكاكات التجارية العالمية، في حين ارتفع الدولار مع تحول بنك الاحتياط الفيدرالي إلى مزيد من الحذر في سياسة التيسير.

وقال شيتان سيث، استراتيجي في شركة نومورا القابضة لـ "بلومبيرغ": "نعتقد أن المستثمرين سيحتاجون إلى الاستعداد لنوبات من التقلبات والتداولات غير المستقرة التي تدفعها التقارير الإخبارية والثرثرة في السوق والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.

ونرى أن الاستقرار في الأسهم الآسيوية لن يحدث على الأرجح إلا بعد أن يختفي شبح التعريفات الجمركية، ونعتقد أننا لم نصل إلى هذه النقطة بعد".

إجراءات محلية

ولم تقتصر إعلانات ترامب على السوق الدولية، فقد وقع على أوامر بتجميد التوظيف الحكومي واللوائح الاتحادية الجديدة، بالإضافة إلى أمر يلزم العاملين الاتحاديين بالعودة التامة إلى العمل بنظام الحضور الشخصي.

وقال ترامب: "سأنفذ تجميداً فورياً للإجراءات التنظيمية الجديدة، مما سيمنع بيروقراطيي جو بايدن من الاستمرار في إصدار اللوائح"، مضيفاً أنه سيصدر أيضاً "تجميداً مؤقتاً للتوظيف لضمان توظيفنا فقط للأشخاص الأكفاء المخلصين للجمهور الأميركي".

وستجبر هذه الخطوة أعداداً كبيرة من موظفي الحكومة على التخلي عن ترتيبات العمل عن بُعد، في عدول عن اتجاه بدأ في المراحل المبكرة من جائحة كوفيد-19. وقال بعض حلفاء ترامب إن تفويض العودة إلى العمل يهدف إلى المساعدة في تقليص الخدمة المدنية، مما يسهل على ترامب استبدال العاملين الحكوميين الذين خدموا لفترة طويلة بموالين له.

ويشمل الأمر تعليق التوظيف للوظائف الجديدة والعديد من الوظائف الشاغرة، مع استثناءات للمناصب المتعلقة بالأمن القومي والسلامة العامة، بالإضافة إلى القوات المسلحة. كما أمر ترامب جميع الإدارات والوكالات التنفيذية بتقديم إغاثة طارئة للشعب الأميركي، في ظل ارتفاع الأسعار، وبزيادة رخاء العامل الأميركي.

وتشمل التدابير خفض اللوائح والسياسات المناخية التي ترفع التكاليف، والإجراءات اللازمة لخفض كلفة الإسكان، وتوسيع المعروض من المساكن. وجاء في الأمر "على مدى السنوات الأربع الماضية، ألحقت سياسات إدارة بايدن المدمرة أزمة تضخم تاريخية بالشعب الأميركي".

قراءة المقال بالكامل