أطلق مقتدى الصدر، في إبريل/ نيسان الماضي، تسمية "التيّار الوطني الشيعي" على تيّاره السياسي في العراق، واعتمد منذ ذلك الوقت هذه التسمية في مخاطباته وبياناته. وعلى الرغم من مقاطعته العملية السياسية، والأجوبة الضبابية التي يقدّمها في كلّ مرّة عن السؤال بشأن مشاركته في الانتخابات المقبلة، إلا أن أدلة كثيرة من نشاطات الصدر وتصريحاته تشير إلى عودته بقوّة في انتخابات أكتوبر المُقبلة. وتفيد التسمية الجديدة اللافتة لتيّاره السياسي، من دون لبس، بأنها تأتي في سياق الصراع مع غرمائه الشيعة، الذين يوصفون عادةً بأنهم من المقرّبين أو الموالين لإيران.
تأتي "الوطني" في التسمية ردّاً على الولاء للأجنبي عند الآخرين، أمّا "الشيعي"، فهي ردٌ أيضاً على من اتهمه، في المشادّات الإعلامية والسياسية، وحتى العسكرية التي أعقبت فوز الصدر في انتخابات 2021، ثمّ انسحابه منها، وعرّضت بشيعية الصدر وتيّاره، وأنهم يمزّقون وحدة الصفّ الشيعي، على حدّ تعبير الأطراف الشيعية المنافسة له. الوقوف عند التناقض بين الانتماء الطائفي والآخر الوطني في عنوان واحد من ثلاث كلمات، من دون فهم الرسائل المتضمّنة فيه، ولا إلى من هي مرسلة، لن يجعل المراقب يفهم ما يجري على الأرض، وليس في سماء الافتراضات النظرية، التي لن تتقبّل هذه المفارقات.
لا شكّ أن هناك (في الواقع) كثير من الناخبين الشيعة ممّن لا يؤمنون بالإسلام السياسي برمّته، فضلاً عن استثمار السرديات الطائفية في العمل السياسي. ولكنّ مجريات الأحداث على الأرض على مدى أكثر من عقدَين، كانت تثبت أن السرديات الطائفية، في الواقع الاجتماعي والحياتي العراقي، كانت تعمل بقوّة، ولم يكن من الصعب على السياسيين فتح باب صغير ما بين الفضاء الاجتماعي والاستثمار السياسي.
امتنع كثيرون من غير المؤمنين بأحزاب الإسلام السياسي عن التصويت في الدورات الانتخابية السابقة، ودعموا احتجاجات أكتوبر 2019، ثمّ شعروا بإحباط شديد في انتخابات 2021، بسبب قناعتهم بغياب البديل. وهم اليوم متحمّسون كثيراً للانتخابات المقبلة. وعلى الرغم من كلّ شيء، من غير المتوقّع إزاحة أحزاب الإسلام السياسي بشكل حاسم من صدارة المشهد. وليس هذا بسبب الخبرة السياسية والفنيّة المتراكمة عند هذه الأحزاب سنوات من اللعب في الحلبة السياسية، وليس لأنّهم "يهندسون" في كلّ مرّة قانون الانتخابات ومفوّضية الانتخابات، كي يضمنوا سيطرةً أكبر على نتائج التصويت وحسب، وإنما لأن هناك سردية كبرى تظلّل المجتمع والنشاطين، السياسي والعقائدي، جرى تغذيتها وتنميتها عقوداً، حتى منذ ما قبل نهاية نظام صدّام حسين في إبريل (2003)، تُعزّز من الشعور الهُويَّاتي عند كثيرين، بغضّ النظر عن مدى اقترابهم أو ابتعادهم من أحزاب الإسلام السياسي.
هل هذا الشعور الهُويَّاتي كان مخزوناً تحت السطح في ظلّ النظام السابق، ثمّ انفجر بعد 2003 وطغى، أم أن الأميركيين والطبقة السياسية الجديدة هم من عملوا على صناعته وتغذيته؟... في الحالتَين، الجواب واحد: لا يمكن اليوم العبور من التمترس الطائفي والإثني نحو فضاء افتراضي عن "الهُويَّة الوطنية" بمجرّد إنجاز قفزة واحدة. يحتاج الأمر إلى تيّارات سياسية جديدة تقنع المجتمع بفائدة الخروج من خيمة الطائفة إلى سماء الوطنية، وأن يقنعوا الناس بأن الوطنية لا تتصادم مع العقيدة والانتماء المذهبي، بل ربّما هي الأنفع لتعزيزها وازدهارها خارج المزايدات والنفاق السياسي.
تبقى الممارسة الاجتماعية والثقافية للتشيّع والتسنّن في العراق، في جزئها الأعمّ، ممزوجةً بالمصادر المحلّية الوطنية، وهي بذلك عنصر أساس من الحاضنة الثقافية الشعبية للهُويَّة الوطنية. ويخطئ من يظنّ أن إقصاءها يعزّز الهُويَّة الوطنية... هذا كلّه قد يفسّر شيئاً من التداخلات بين الوطني والمذهبي، ولكنّه لا يمنح صكّ غفرانٍ لمن يرفع شعاراً يتضمّن هذا التفسير. فحتى الوطني، الذي "يبكي" حبّاً وذوباناً في الوطنية، يمكن أن يكون سيئاً إن لم يحوّل "مشاعره" برامجَ عملٍ واضحة، وإن لم يحتكم لسلطة القانون، ولا يحاول تطويعها لصالحه.
