ما الذي يعنيه ترسيم الحدود بين لبنان وسورية، الذي يرتفع منسوب الحديث بشأنه في بيروت ودمشق؟ ما الهدف من رسم حدود بلدين تشابك مصيرهما أكثر بكثير ممّا تشابكت مصائر دولتَين أخريين في الشرق الأوسط؟... بمعزل عن السرديات التخيليّة للتاريخ، سواء لدى اللبنانيين أو السوريين، وبعيداً من أوهام "العودة إلى الماضي"، هذا في حال كان صحيحاً، فإن الوقائع الناجمة عن التغيّرات أخيراً في الشرق الأوسط تعني أن أمام دمشق وبيروت حلاً من اثنَين: التصادم بحدود أو التفاهم بحذر.
لم يكن التصادم بين البلدَين، خصوصاً في مرحلة ما بعد انتهاء الانتداب الفرنسي عليهما في أربعينيات القرن الماضي، ترفاً. تداخلت الناصرية والأسدية والشمعونية والشهابية وغيرها، وصولاً إلى دخول الجيش السوري طرفاً أساسياً ومحورياً في حرب لبنان (1975 ـ 1990)، وما تلاها من احتلال استمرّ باسم "الوصاية" حتى عام 2005. ولا يُمكن لسورية ـ الأسد، التي كانت حليفةً لجزء كبير من اللبنانيين ومناوئةً لجزء كبير آخر، أن تتحوّل، مع سورية ـ أحمد الشرع، إلى المقلب الآخر، فتكون حليفةً لمن كانت مناوئة لهم، وتُصبح مناوئةً لمن كانت حليفةً لهم. الحالتان لا تستقيمان. في الأمرَين نفوذ دمشقي على حكم بيروت، بمشاركة لاعبين لبنانيين استفادوا من النفوذ (البندقية) السوري في لبنان.
كذلك، اللبنانيون، المتحالفون والمتخاصمون مع سورية، مدعوون للخروج من نظرية أن "سورية عدوة أو صديقة أبدية"، بل المطلوب منهم التعاطي كرجال دولة، فلا يكون ترسيم الحدود البرّية والبحرية بين البلدَين مدعاةَ تفوّق طرفٍ على آخر، ولا بمثابة تحدٍّ متبادل، بل حصراً تأمين المصالح المشتركة، وما أكثرها حين يفهم الجميع أن "السياسة ابنة التاريخ، والتاريخ ابن الجغرافيا، والجغرافيا ثابتة لا تتغير". جاهل من يعتقد أن القومية ستتغلّب على الطائفية، خصوصاً في أيامنا الحالية، لكن المدرك يستطيع الخروج من هذه المعادلة عبر عامليْن: الأول، تأمين الخطوط الحمر بين دمشق وبيروت، بدءاً من ترسيم الحدود، ومعالجة ملفّ اللاجئين السوريين في لبنان (علماً أن الدولة اللبنانية، وحتى إشعار آخر، تستخدم مصطلح النازحين السوريين، على أساس أن لبنان ليس بلد لجوء)، وأيضاً معالجة ملفّاتٍ عالقةٍ موروثةٍ من أيّام حكم الأسد، من اتفاقيات جائرة بين البلدين. الثاني، فهم أن في دمشق حكماً ذا طابع ديني مغاير للنظام اللبناني، والتعاطي بين النظامين لا يتطلّب لغةً طوائفيةً، لا على مستوى القواعد ولا على مستوى السلطة. متى فهم النظامان أن الدول تتعاطى بعضها مع بعض انطلاقاً من المصالح المشتركة والمتبادلة، تُصبح النوازع الطائفية ثانويةً وخارج سياقات استخدامها تسعيراً لخلاف ما.
هل يمكن فعلاً الاعتماد على الحُكمَين السوري واللبناني لرسم ما هو أبعد من الحدود؟ لا أحد يعلم الجواب، لكن الواقع واضح. وصل الطرفان بعد أحداث كبرى غيّرت دمشق وبيروت في الأشهر الماضية. بالتالي، تتطلّب قدرتهما على الاتفاق لبناء خريطة طريق لعلاقة ندّية ما هو أكثر من مجرّد مصافحة. أمامنا شعبان يعرفان بعضهما بعضاً جيّداً، وربّما قد تكون نسب المصاهرة بين اللبنانيين والسوريين من الأعلى في الشرق الأوسط، لدى المسيحيين والمسلمين في البلدَين، ناهيك عن الاختلاط التجاري والاجتماعي والثقافي والديني.
لذلك، لم يولد أحمد الشرع وجوزاف عون أمس، بل عليهما فهم هذه الحقائق، ولا يمكن لأيّ منهما التصرّف بمعزل عنها. ذلك، لأن الاشتباكات الحدودية على الحدود اللبنانية ـ السورية، التي وقعت في الأسابيع الماضية، لم تحسم ملفّاً عالقاً. سفك الدماء هنا لا يصنع حلاً، بل يستولد حروباً تنتهي بخراب هيكلي بيروت ودمشق. ترسيم الحدود بين البلدَين قد يكون من أكثر الأحداث جدّية في تاريخ العلاقة الدولتية بين البلدَين، منذ جلاء الفرنسيين عنهما، وفي المقابل فإنه يبقى سيفاً ذا حدّين، إن لم يفهم كلّاً منهما أن اللحظة فعلاً "تاريخية".
