في "محاورة كراتيليوس" لأفلاطون نقرأ: "معرفة الأسماء جزء مهمّ من معرفة الخير، وفي الألفاظ خطأ وصواب وصدق وكذب، وإذا صحّت اللغة، تجعل الأشياء كلّها معلومة".. وعلى هذا النحو، تغدو لسلامة الأسماء قدرة على تمييز الأشياء بحسب طبائعها الثابتة. شيء من هذا القبيل يتطرّق إليه الحكيم الصيني كونفوشيوس بقوله: "حين تختلط الأسماء تختلط المعاني وتضيع". وفي حقيقة الأمر، كما حدّدها الفلاسفة الأقدمون ولم يحد عنها اللاحقون، فإن صحّة التسمية تولّد دقّةَ الدلالة، وإذا غابت الأولى تاهت الثانية، وهذا بالضبط ما يجرُّ اللبنانيين إلى الحفر الملعونة.
يتحدّثون في لبنان عن ضرورة إحياء الدولة أو ما تبقّى منها، ويوغلون في الكلام عن الدولة باعتبارها واجبَ الوجوب والوجود، ولكن التدقيق في الأقوال والأفعال يُظهِر غربةَ القول عن المعنى، فالدولة المقصودة في الأقوال ما يسعى إليها هذا الطرف لإزاحة ذاك، ممّا لا يجعلها دولةً وطنيةً جامعةً تجد فيها الأطراف مجتمعةً ذواتها، وتسير على صراط التعاون والتفاهم بين الجماعات السياسية والأهلية محقّقةً "الخير الأعلى" في تعاونها وتفاهمها، كما جاء في مقولة لأرسطو، وجاراه في ذلك الفارابي.
لا تقوم الدولة على الغلبة، وحين تعلو الأخيرة وتشرئبّ، تتقدّم السلطة بلغوها ولغتها وغلوّها، فيختلط المعنى بين الدولة والسلطة، وفي تاريخ البشرية أن السلطة تكون كاسرةً للدولة، لأنها تجسيد فئوي استقوائي واستعلائي، ومن المؤسف أن بعضاً في لبنان يسلك هذا المنحى حين يذهب إلى قراءةٍ مفادها أن إعادة بناء الدولة اللبنانية تستوجب اعتبار فئة لبنانية مهزومةً ومغلوبةً جرّاء العدوان الإسرائيلي أخيراً، ما يفرض على هذه الفئة دفع الأثمان السياسية الخاسرة في الداخل اللبناني، في مقابل أن يجني آخرون أثماناً رابحةً. ضمن هذا المنطق، يستشري اللغط في لبنان حول مفهوم الدولة، وكيف يُنظر إليها، وهل تكون حاضنةً لكلّ الفئات اللبنانية أم نابذة لبعضها؟ وفي ظلّ هذا الاستشراء غير السليم، هل يستحضر اللبنانيون مقولات الزعيم الوطني صائب سلام، حين كان يُردِّد في كلّ فرصة ومناسبة "لا غالب ولا مغلوب" و"لبنان لا يُبنى إلا على التفاهم والتفهّم"... تلك مقولات لأولي الألباب.
لا تقوم الدولة على الغلبة، وحين تعلو الأخيرة وتشرئبّ، تتقدّم السلطة بلغوها ولغتها وغلوّها، فيختلط المعنى بين الدولة والسلطة
بعد هذه المقولات لأحد ألمع السياسيين في الحقبة الذهبية اللبنانية، تأتي المناداة بتطبيق دستور الطائف، وهي مناداة فيها ما فيها وعليها ما عليها، وبقدر ما تبدو هذه المناداة جليلةً ونبيلةً ومصيبةً ونجيبةً، فهي تنطوي على تجزئة المعنى لأجل خلطه وإهداره، والقائلون بالتجزئة والإهدار يضيئون موادّ دستورية ويعتّمون أخرى، ومن الأمثلة التي يضاء عليها ما ورد في وثيقة الطائف: "بما أنه تم الاتفاق بين الأطراف اللبنانية على قيام الدولة القوية القادرة المبنية على أساس الوفاق الوطني، تقوم حكومة الوفاق الوطني بوضع خطّة أمنية مفصّلة، مدّتها سنة، هدفها بسط سلطة الدولة اللبنانية تدريجيّاً على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قوّاتها الذاتية".
لا مهرب من القول إنّ واحداً من تعريفات الدولة احتكارها العنف وأدواته، لا جدال، ولكن ماذا عن موادّ الدستور اللبناني الداعية إلى إلغاء الطائفية السياسية، وإجراء انتخاباتٍ برلمانية خارج القيد الطائفي، لنقرأ في مقدّمة الدستور، وبحسب الفقرة "ح"، إن "إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطّة مرحلية"، وفي المادَّتَين الدستوريتَين 22 و24 يرد على التوالي، "مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يُستحدَث مجلس للشيوخ تتمثّل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية"، و"إلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، توزّع المقاعد النيابية وفقاً للقواعد الآتية: بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين ـ نسبياً بين طوائف كلٍّ من الفئتين ـ نسبياً بين المناطق". وتنصّ المادة 95 على أنه "على مجلس النواب المُنتخَب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطّة مرحلية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضمّ بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية، مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطّة المرحلية"·
يذهب لبنانيون إلى أن هزيمة فئةٍ في العدوان الإسرائيلي يفرض عليها دفع الأثمان الخاسرة
في مجمل هذه المواد الدستورية، فضلاً عن مقدّمة الدستور، دعوات صريحة لا لبس فيها لإلغاء الطائفية السياسية، لكن لا أحد من أطراف السجالات اللبنانية، في مرحلة ما بعد العدوان الشامل على لبنان، ينظر إلى هذه الموادّ قاعدةً أساسيةً لبناء دولة وطنية جامعة، بل إن المساجلين يهملونها ويذهبون إلى طيّها، في مقابل إعلاء ما جاء في وثيقة الطائف، وجعلها أساساً لاستعادة الدولة اللبنانية قوتها وهيبتها، وهو ما يُفقِد هذه الطروحات "عدالة الكلمات"، كما يقول أهل الفلسفة، وبطريقة تظهر فيها الطروحات المذكورة تصويباً باتجاهٍ أحاديٍّ يكرّس الاستقطابات الحادّة، ولا يساهم في إحياء الدولة المفترض أنها منتوج تعاوني وتفاهمي بين الفئات والجماعات، كما هي الحال في تاريخ الدول والفِكَر السياسية.
وبعيداً من كلّ ما يتّصل بسجال وإشكال، أغلب الظنّ أن اللحظة اللبنانية الحالية تشكّل فرصةً نادرةً لانعقاد حوار وطني طال انتظاره، وعلى مائدة هذا الحوار يجري طرح الهواجس والأسئلة والمطالب، والتعقيدات والتحدّيات، وحاضر لبنان ومستقبله، ودور الدولة ووظيفتها، وأمّا التراشق كما هو البلاء الآن، فيستدعي خاتمةً لنزار قباني: "ماذا يريد اللاعبون على اللغات/ الشاطرون.. الماكرون؟ /.../ يتكلّمون.. بألف موضوعٍ/ ولا يتكلمون/ ويحرّكون شفاههم/ ولكنهم لا ينطقون../ ويشاهدون جنازة الوطن القتيل أمامهم/ تمشي../ فلا يترحّمون..".
