السماء قريبةٌ، تكاد تلامس نافذة السيارة. الغيوم بيضاء خالصة، لكنّها سرعان ما تتحوّل إلى احتمالات كابوسية داكنة. أفضّل مفردة "العتمة" على "الظلام". أحدّق بدهشة، رغم أنني رأيت جانبي الطريق في زيارات متكرّرة لريف دمشق: حرستا، زملكا، داريا، عربين، ودوما. لكني، هذه المرّة، كنتُ أبحثُ عن شيءٍ مختلفٍ في دوما. الدمار يطوّق السماء حتى تختفي، ونبدو كأننا نهتزّ في السيارة كعلبة سردين مربوطةٍ بحبال الضجيج. يلتهمنا الخراب، فأداري افتراسي بمراقبة وجه سميّتي، سمر شمّا، المحايد والمنكمش. ندخل البلدة، وكلٌّ منا تُحاول التماسك. أنا أخفي وجعي باللامبالاة، وهي بِصمْتها القاسي. عبرنا البلدات الأخرى:
حرستا المتهاوية، نموذجٌ وسطيٌّ بين الخراب الكامل في جوبر والنجاة الجزئية في دوما. ليست مدمّرةً بالكامل كجوبر، ولا قائمةً بحياة يومية كما في دوما، بل تبدو أقربَ إلى التهالك، وأهلها يركضون بين الأنقاض، وأطفالُها يروحون ويجيئون وسط المباني المهدّمة. تعيش إحدى العائلات في بناء مائل، ملتوٍ كقطعة قماش تطير في الريح. الأطفالُ لا يلقون بالاً لسطوح الإسمنت السائل، بل يضحكون ويمرحون بينما نمرّ بجوارهم. لم أشعُر بحاجتي لليوتيوبيا كإحساسي بحاجتي لها في هذه البلاد.
ندخل دوما. نترُك خلفنا البلدات المدمّرة، وأعينُنا لا تتّسع لكل هذا الخراب. أراقب سمر، وتحديقتَها التي أسمّيها "تحديقة الصدمة". لا كلمة، لا أثر لما تشعر به، وهي التي كانت مديرة تلفزيون الحكومة في عهد بشّار الأسد، ثم اختارت الابتعاد، رافضةً التطبيع مع القتل. لا تزال تتساءل إن كانت قد قصّرت في حقّ شعبها. سمر من القدموس، عاشت في دمشق، فقدت والدها في أثناء سجنها، وبقيت إلى آخر لحظةٍ إلى جانب أمّها وأخيها خلال مرضهما في الثورة والحرب، من دون أن تترك بيتها. نتوقف عند الجامع الكبير في دوما، المُدمّر منذ 2012 بقصف طيران النظام. لم يكن وحده، فقد قُصفت مساجد كثيرة. الجامع، الذي جُدّد عام 1982، كان معلماً أثريّاً منذ العصر المملوكي، وقبله كان كنيسة، وقبلها معبداً يهوديّاً، وقبله معبداً للشمس. على أحجاره، وُجدت نقوشٌ للشمس تعود إلى العصر الآرامي. تحت أنقاضه، كما يقول ابن دوما أسامة خلبوص، يرقد مقام النبي يحيى والنبي إيليا. كانت هذه المنطقة مركز المدينة التي بدأت تتشكّل بشكلها الحالي منذ أربعينيات القرن الماضي. في مركز دوما، كان هناك ديرٌ للمسيحيين، وحارة سُميت "الخوارنة"، نسبة إلى رجال الدين الذين أقاموا فيها حتى الستينيات. حارة أخرى، "السبياط"، تعود تسميتها إلى "الساباط"، وهي من أقدم الحارات في دمشق، منذ العصرين العباسي والأموي. يُروى أن عبد الملك بن مروان كان يتنزّه في دوما، خاصة في رمضان، جالساً على عرزال قرب النهر. وتقول المرويات إن أهل دوما كانوا أحياناً يوقفون صلاة التراويح بسبب الضجيج الذي يسبّبه نقيق الضفادع، فقد كانت دوما غنيةً بالماء والشجر والعشب، وأرضها الخصبة مضرب المثل.
نعبُر تلك الأرض الغنية، بين الأبنية المهدّمة، وأحاول أن أتخيّل كيف كانت. ذاكرة الحجر، كذاكرة البشر، تختزن كل شيء وتُفرغ كل شيء. البشر مثل الحجر، ذاكرتهم مؤطّرة ومحدودة، وهذا من رحمة الله بهم. نقيق الضفادع ذاكرةٌ تسكُن رأس سمر شمّا، تعبُر بها تاريخاً من الألم، تنتظر الوصول إلى زنزانتها. فجأة، تقول إنها ربما تحبّ ذلك المكان. لكن هل أحبت سمر شمّا زنزانتها حقًا! ما زلتُ أحاول فهم ذاكرة الحجر. من المعروف أن مجموعة من اللُّقى الأثرية والمخطوطات، إضافة إلى آثار الكنيس اليهودي، قد نُقلت إلى أوروبا، لكن لا أحد يعرف أين تحديداً. يقول أسامة: ربما في فرنسا وألمانيا، في زمن الأسد الأب، وهناك أيضاً مخطوطات محفوظة في جامعة تورنتو.
دوما، ذات الأرض الطينية، كان سوقها الرئيسي في شارع الجلاء، الذي كان يُعرف قبل الفرنسيين بشارع حقي بك، وكان مركزيًا وأساسيّاً خلال وجودهم. لاحقاً، توسّعت البلدة باتجاه شارع الجامعة العربية، قرب شارعي الآغا والريس. حول المساجد تشكّلت الأسواق، مثل جامع الشيخ طه، الجامع الكبير، وجامع الآغا. الجوامع خلقت حولها تجمّعات تجارية، والأسواق نمت وتعدّدت: سوق الهال، سوق الهال العتيق، وسوق الخضر. كانت المدينة نقطةً استراتيجيةً مهمّة للفرنسيين، حيث شكّلت مرابط لنقاط عسكرية كبرى، لأنها تاريخيّاً إحدى الحواضر الأربع الأساسية حول دمشق: برزة، دوما، داريا، وديرمران، وهي حواضر وُجدت منذ ما قبل العصر الآرامي، أي قبل نحو سبعة آلاف عام. تكوّنت برزة أولاً، كونها أعلى مدينةٍ في سلسلة الجبال المحيطة بدمشق، ثم نشأت دوما. الغوطة نشأت من البيئة الخصبة التي خلفتها البحيرة الجيولوجية الضخمة التي كانت هنا، والتي جفّت لاحقاً لتنشأ دمشق على أطرافها. برزة، ثم دوما، ثم داريا. هكذا بدأت الحكاية منذ آلاف السنين... هكذا خُلقت دمشق، ودوما إلى جانبها. أجد الفكرة شاعرية: أن نستمرّ في العيش هنا، في مكانٍ مأهول منذ آلاف السنين، ونعرف أن معبد جوبيتر الدمشقي (موقع الجامع الأموي حالياً)، بُني بعد جفاف البحيرة، وأن دمشق لم تنشأ حول الموارد الزراعية، بل حول المعبد. أهل دوما من التغالبة القيسيين، وكانوا يمدّون دمشق بالعائلات. ومع الوقت، قدِمت عائلاتٌ أخرى من خارج الغوطة وسكنت حول المعبد، فكبُرت دمشق. كانت دوما خاصرة الحامية العسكرية لعاصمة آرام، وكان أهلُها أقرب إلى تدمر منهم إلى دمشق، وكانت علاقتهم بزنوبيا قوية. يمتدّ من رأس العين في دوما نهرٌ يصل إلى تدمر عبر قنوات، يُعرف اليوم باسم "نهر المرا"، نسبة إلى زنوبيا نفسها. تشكّلت في دوما سبع مزارع كبرى كانت المورد الزراعي والمائي للبلدة: الرمان، العالية، كرم رصاص، المزرعة، السنديانة، العب، والدوير. في الخمسينيات، كانت دوما تصدّر الدبس إلى الشام، وكل دبس الشام كان من دوما.
أحاول سؤال سمر عن مشاعرها، ونحن نقترب ونسأل عن السجن، ثم نجد أنفسنا فجأةً أمامه. في ذهني، أصرّ على استحضار ذاكرة البلدة القديمة، لكن الحاضر يشوّشني. أهالي دوما منشغلون، وكأنهم فقدوا ذاكرة مكانهم. الشوارع تعجّ بالبسْطات، كما في دمشق واللاذقية. المحلات مغلقة، والبسطات العشوائية تملأ الأرصفة. لا يمكنني الحكم على توزيعها، لكنني أعلم أن النظام قد سقط، وأنا هنا منذ شهر فقط. المشهد متكرّر: الناس لا يملكون النقود، فيلجأون إلى البسطات حيث الطعام أرخص، الحركة دؤوبة، ولا يبدو أن هناك خوفاً. الكل يسابق الزمن لتأمين لقمة العيش. رجل لطيف يوجهنا بإشارة من يده نحو السجن. كان مدمّراً. نقترب بخطىً ثابتة. سمر تتقدّم، وأنا أراقب المعروضات فوق الأرصفة.
كتب وصفي زكريا أن دوما كانت خزّاناً غذائيّاً لدمشق، حيث وفّرت الدبس، والبطيخ، والخضروات، والأجبان، واللحوم. أما أهل دوما، فقد امتلكوا أراضي في قضاء البادية، تمتدّ عبر الهيجانة، والعتيبة، والضمير، ووادي الرمدان، ووديان الربيع، حيث أنشأوا مناحل ومكاسر، مستفيدين من خبرتهم المتوارثة في الزراعة والتجارة واستصلاح الأراضي. امتدّت أملاكُهم إلى حدود العراق والأردن، على مساحة تقارب 111 ألف كيلومتر مربع. في أوائل القرن الماضي، بدأت الصناعة في دوما بورشاتٍ صغيرةٍ للحدادة والنجارة، حيث صُنعت القباقيب والمناجل والأدوات البسيطة. ومع الإقبال المتزايد ورخص الأسعار مقارنة بدمشق، ازدهرت تجارة العطور والبهارات، وامتدّت علاقاتهم التجارية إلى البدو، ما ساهم في تطور المهن التجارية. أبو جد أسامة خلبوص كان عطّاراً، وورث العطارة عن أجداده قبل أن يصبح حلوانيّاً. كانوا يحملون الحلوى على الحمير لبيعها في القرى، وأحياناً يبادلونها بالقطن والصوف بدلاً من النقود. لكنني لا أرى أيًّا من تلك المنتجات التي يحدّثني عنها أسامة. بدلاً من ذلك، تملأ الشوارع أكياسٌ بلاستيكية ملقاة، وبعضها يحتوي ما يمكن أكله. الدجاج مرميٌّ على الطرقات، وعبواتٌ متناثرةٌ تبدو وكأنها نُهبت من مكان ما. سمر تتقدّم، وأنا ألحقُ بها. نصل إلى بوابة السجن المفتوحة — سجن دوما للنساء.
كانت خطّتنا أن تعود سمر إلى زنزانتها في سجن دوما للنساء، إلى ذاكرةٍ غرست أصابعها في وعيها، حيث قضت سنوات سجنها في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حينما كانت في مقتبل العمر، وعضوة في حزب يساري (حزب العمل الشيوعي). في ذلك الوقت، قرّر حافظ الأسد سحق معارضيه بالبطش والقتل أو بالسجن والترهيب، وأحياناً بالترغيب. سمر شمّا ومجموعتها كانوا من حالمي ذلك الزمن، قرّروا مواجهة استبداد الأسد الأب بالعمل السياسي السلمي، فكان مصيرهم السجن والنفي. بين دوما القديمة، ومعبد جوبيتر، ودمشق، ينتهي بنا المطاف عند سجن دوما للنساء، السجن الذي صنع شهرة المدينة!
سمر شمّا... حكاية اعتقال سورية
كنت أعمل صحافية في التلفزيون، محرّرة، منذ عام 1985. درستُ الأدب العربي في الجامعة، وانضممتُ إلى حزب العمل الشيوعي، وهو محظور. في 1987، اعتُقلت. كان هناك قرار سياسي من حافظ الأسد بالقضاء على الحزب وأعضائه. كنت جزءاً من خلية نوعية فيه، فاعتقلوني من مكان عملي الرسمي في التلفزيون، أمام الجميع.
استدعاني مدير التلفزيون حينها، مضر الشعار، إلى مكتبه، حيث كان بانتظاري ضابطان من فرع فلسطين- الأمن العسكري. أرادوا مني التواصل مع عبد العزيز الخيّر، أحد قادة الحزب، لتسليمه لهم. ما زال مصيرُه مجهولاً، بعد أن اختفى في سجون الأسد الابن. أنكرتُ معرفتي به وبما يطلبونه، فهدّدوني بأهلي وإخوتي، لكنني أصررت على الإنكار. عندها، اقتادوني إلى فرع فلسطين، سيئ السمعة. عُذبتُ هناك بشتى الطرق. ضربٌ بالكرباج والعصيِّ الغليظة، إهانات وتهديدات بالاغتصاب، وبذاءاتٌ لا تُحتمل. استخدموا معي "الدولاب"، وضعوني داخله، متكوّرة على نفسي، يحرّكونه ويرفسونني ويضربونني. طوال الوقت، كانت عيناي مطمشتين. حبسوني في المنفردة رقم 5، عشرة أيام. كل السجناء يعرفونها. كنتُ أتكوّر على نفسي داخلها، فهي بالكاد تتّسع لجسدي. قضيت ثمانية أشهر في فرع فلسطين، أسمع أصوات التعذيب التي كانت أكثر رعباً من العذاب نفسه. بقيت شهراً ونصف الشهر غير قادرة على المشي. كان وجهي أزرق، وجروح قدمي تمنعني حتى من التنفس أحياناً. كان التعذيب وحشيّاً في المهجع، كنتُ مع عدد كبير من المعتقلات، بعضُهن جنائيات، وأخرياتٌ سياسيات، بينهن صديقاتٌ من الحزب: لينا وفائي، لينا المير، وفاء طورية (زوجة رفيقنا ديب قات، التي اعتقلوها رهينة عنه)، سناء حويجة، هتاف القصير، بثينة تنبكجي (رهينة عن زوجها نزار مرادني)، غادة العلي، ناهد بدوية، رماح بوبو، وجدان ناصيف، منيرة وسحر حويجة… وأسماء أخرى تخونني ذاكرتي في استرجاعها. كان التعذيبُ يحوّل الأصوات البشرية إلى شيءٍ وحشيٍّ لا يشبه البشر. أصوات مرعبة، ما زالت ترنّ في أذني، كأن آلام البشرية كلها تجمّعت في ساعة واحدة ذلك اليوم.
لم أكن أنام. كنت أبكي طوال الليل.
كان معنا أيضاً حسيبة عبد الرحمن، هند قهوجي، فاطمة عباس، زهرة كردية، غرناطة الجندي، شفق العلي، سميرة وفاطمة الخليل، هلا فطوم، فاديا شاليش، رنا محفوض، ومي الحافظ. بعد ثمانية أشهر، قرّروا نقلنا إلى سجن دوما. لم تكن هناك محاكماتٌ لنا في ذلك الوقت، قيل لنا إننا سنموت في السجن. كان حافظ الأسد مصمّماً على القضاء على الحزب نهائيّاً.
لكن بالنسبة لنا، كان سجن دوما بمثابة الجنّة مقارنة بجحيم فرع فلسطين.
دوما... حين كان السجن رحيماً بأهله
ندخل السجن بعد 38 عاماً، لم يبقَ منه سوى ركام. مشاعر مركّبة تفوح من الدمار وتنعكس انقباضاتٌ وتشنّجاتٌ على وجه سمر. الباب مقصوفٌ بالكامل، ربما سرقه معفّشو الحروب. فضاؤه المفتوح على الخراب لا يوحي بالضيق كما كان. أمامنا بحرةٌ كانت أرضيّتها مبلّطة بالبورسلين الأزرق، وعلى اليمين شجرة. تقول سمر إن الأشجار آنستهن حينها، كانت فسحة السجن نافذتهن الوحيدة نحو الحياة. يا للسعادة حين يحتوي السجنُ على باحة! اليوم، البحرة مهدّمة، وحولها تتكدّس الأوساخ والركام، لكن شجرة الليمون ما تزال صامدة، بأغصانها الخضراء الشاحبة، والغبار يكسو كل شيء. السجنُ مدمّرٌ بفعل القصف، طالته يد الخراب كما طالَت كل شيء هنا. تقف سمر تتأمّل الحجارة المتناثرة، تشير بيدها وتقول: "هناك كان السجّانون، وهنا كنّا، وهنا..." تتحرّك بخفّة، كأنها تعيد رسم المكان في ذاكرتها. في عينيها بريقٌ غامضٌ لم أره فيهما من قبل. نادراً ما تعبّر عن ألمها، لكنها اليوم تندفع نحو السجن بابتسامةٍ غريبة:
"أنقذنا سجن دوما من فرع فلسطين. أيُّ مكانٍ هذا الذي يصبح فيه السجن خلاصاً من سجن آخر؟ كيف يمكن للسجون أن تمنحنا احتمالاً للحياة؟" تتابع، بابتسامةٍ يعلوها الحزن:
"أتظنّين أني سعيدة برؤية السجن مدمّراً هكذا؟ أفكّر في الأرواح التي أُزهقت حتى تهدّمت جدرانُه، وفي من صاروا كتلاً متشظية مثله." تفاجئني بعدم احتفالها بانهيار السجن. كنتُ أترقّب ردّ فعلها، لكنها تهشّ بيدها حول الخراب، وعيناها تخفيان دمعاً خفيّاً لا يتحرّك ."لا أفكّر بالانتقام"، تقول، "بل أفكر في السجّانين الذين ساعدونا، وفي الطائرة التي قصفت هذا المكان… كم روحاً مدنيةً حصدت!"
فجأةً، تكتسي السماء بزُرقةٍ صافية، والشمس تسطع، فتتلاشى برودة المكان. السائق ينتظر في الخارج، وأصواتٌ ثقيلة تصل إلينا من بعيد. الخراب يبدو كوكباً معزولاً يسير وحده في الزمن. أخذتُ أفكّر: للحروب حياة مستقلة عن المقاتلين والضحايا تعيش في الزمن بحسب مزاجها الخاص. أمسك بالكاميرا وألحق بسمر وهي تتحرّك بخفّة، بحيويةٍ لم أعدها فيها. تشرح لي، تشير إلى الأمكنة، أقول لنفسي: كان يجب أن تأتي إلى هنا لتحكي!
أراها تستعيد الحياة في شرايينها. تتقدّم نحو المهجع الذي عاشت فيه، غرفة واسعة تتوسّطها حفرةٌ عميقة، ربما بفعل قذيفة. نوافذ السجن ما تزال تحرُس المكان، بقضبانها الحديدية التي لم تتزحزح رغم القصف، رغم الخراب، رغم لصوص الحرب الذين سرقوا كل شيء. عادةً ما يأتي أطفالٌ ومراهقون، وأحياناً رجالٌ يعملون ضمن شبكاتٍ متكاملة، لاقتلاع الحديد من المباني المهدّمة. يعملون بأجرٍ زهيدٍ لقاء لقمة خبز. لكن القضبان هنا ما تزال صامدة، كأنها شاهدة على الزمن. رغم كل شيء، ترى سمر في سجن دوما نجاةً مقارنةً بجحيم فرع فلسطين. هناك، كانت تستطيع تمييز أصوات رفاقها الرجال تحت التعذيب. لم تكن تنام ليلاً، كانوا يهدّدونها بأهلها، فتسمع أصوات المعذَّبين وكأنها أصواتهم، تخشى أن يكونوا قد جلبوا أحداً منهم. تذكّر السجّان المتعاطف الذي قال لها ذات يوم إنهم اعتقلوا أختها ربيعة، الصبية التي تصغُرها بسنواتٍ، وضربوها وعذّبوها أمامهم.
اليوم، وهي تتجوّل في المهجع، وسط الركام والذكريات، تدرك أن هذه القضبان لم تتحرّك، ولم تسقط. كأنها تصرُّ على البقاء، لتروي حكايتها:
(عشنا هنا، في هذا المهجع، لكن قبل أن نصل إليه، مررْنا بفرع التحقيق العسكري، حيث كان علينا جميعاً مواجهة آصف شوكت، المسؤول عن الفرع آنذاك. طلب منا تقديم استرحام والتعاون أمنيّاً، لكننا رفضنا جميعاً، بلا استثناء. وهكذا، بعد جولاتٍ من التعذيب، نُقلنا إلى سجن دوما معصوبات الأعين. كنّا ثلاثين امرأة، أعمارُنا بين العشرين والثلاثين، باستثناء زهرة كروية، التي تجاوزت الخمسين. وزّعونا على ثلاثة أماكن: مهجع وغرفتين. معنا أيضاً معتقلات من الإخوان المسلمين، إحداهن كانت تحمل طفلتها الصغيرة، سميّة، ابنة خديجة حشيش، التي وُلدت في سجن تدمر ونُقلت منه إلى دوما بعد أن مرّت بسجون حمص وقطنّا. كانت الطفلة في الثالثة من عمرها، ترافقها جدّتها وخالتها. أيضاً، كانت بيننا زوجة إبراهيم اليوسف؛ اسمها عزيزة، وثلاث فتيات دون الثامنة عشرة: لما عنداني، رغداء خير الله، وفاطمة الراعي. كما ضمّ السجن سحر البني ومنيرة الصارم.
جمعونا، اليساريات والإخوانيات، في سجنٍ واحد، وكنّ بمعظمهن رهيناتٍ عن أزواجهن!. في السجن، تتغيّر الحياة وتُعاد صياغتها؛ تنصهر الفروقات وتذوب الاعتبارات الخارجية. صِرنا جميعاً صديقات، نعيش معاً ونتشارك تفاصيل يومية بسيطة أصبحت هي عالمنا بأكمله. كانت علاقتنا مع الإخوانيات عميقة، وحين أطلقوا سراحهن قبلنا، نُقلنا، نحن اليساريات، إلى مهجع كبير. معنا أيضاً كانت ناجية جرعتلي من جماعة 23 شباط. عشنا في ذلك المهجع ثلاث سنوات وعشرة أشهر، بعد أن قضينا ثمانية أشهر في فرع فلسطين. لم تكن مدة طويلة مقارنة بمن قضوا أعمارهم في السجون، وكنّا نعتبر أنفسنا محظوظات. نظّمنا حياتنا داخل السجن بتعاون كامل. تناوبت كل غرفةٍ على الطهي لبقية الغرف، وتقاسمنا كل المساعدات التي تصل إلينا من أهالينا بالتساوي. رغم منع الزيارات أكثر من عام، تمكّنا عبر الوساطات من الحصول على بعض الإعانات. في عام 1988، أعلنا الإضراب، وفي 1989، أنشأنا صحيفةً حائطية نكتب فيها المقالات السياسية ونعلقها على جدران السجن. كتبنا ومثّلنا المسرحيات، استخدمنا الشراشف وأشياء بسيطة لصنع ديكورات المسرح. كانت رماح بوبو وناهد بدوية تكتبان النصوص، بينما كنتُ أنا، إلى جانب رنا محفوض، لينا المير، ووجدان ناصيف، نؤدّي الأدوار، صنعنا من أدوات المطبخ فرقة موسيقية، حتى أننا نظّمنا بيننا عرضاً للأزياء بملابسنا المتاحة (يبدو الزمن حاضراً بكثافة في ذاكرتها، ليس من شيء أكثر من هذا احتفالاً بالمعنى بالنسبة لي). في السجن، وُلدت مارية، ابنة رنا محفوض. عاشت معنا تسعة أشهر قبل أن يأخذها جدّها. كنت متعلقةً بها جدّاً، كنت أحملُها وأمشي بها إلى البحرة في الخارج، أراقبها وهي تنمو بيننا خلف القضبان. حين رحلت، فرحتُ… وحزنتُ. يا إلهي، أي تناقضٍ هذا!
لقد صنعنا عالماً داخل السجن، عالماً صغيراً لكنه كان يمنحنا أسباباً للاستمرار…
كان عبد المحسن هلال، قائد العملية الأمنية ضد حزب العمل، قد استدعانا واحدةً تلو الأخرى للتحقيق، عندما أضربْنا عن الطعام. طلب منا تقديم استرحام، لكننا جميعاً رفضنا، متمسّكات بمواقفنا السياسية. بقينا في السجن، وبعد عام، سُمح لنا أخيراً بالزيارة. طلبنا مفاوضاً للاستماع إلى مطالبنا، فجاء مدير السجن، عوض الحموي، الذي كان متعاطفاً معنا، لكنه لم يكن صاحب القرار الحقيقي؛ فالأوامر كانت بيد رجال الأمن، وليس الشرطة. بفضل تعاطف بعض عناصر الشرطة، تمكنّا من إدخال الكتب سرّاً، وأقمنا حلقات نقاش سياسية داخل المهجع، نتبادل الأفكار حول الحزب وأخطائه، ونناقش ما يمكننا فعله. كنّا نتراسل برسائل سرّية مع رفاقنا في السجون الأخرى. كنّا نساء قويات، متماسكات، لم تخضع أيٌّ منا لضغوط السجّانين، واتفقنا على أن نبقى يداً واحدة. لم نهادن، لم نخُن بعضنا، ولم نسلّم رفاقنا. لم تكن اختلافاتُنا سوى وجهات نظر حول تجربة الحزب، لكنها لم تؤّثر على وحدتنا. تجربة السجن غنيةٌ بقدر ما كانت قاسية، ولن أنسى كيف ساعدنا بعض رجال الشرطة. كتبتُ رسالة إلى أختي، كنتُ أشعر بأني أمّها أكثر من كوني أختها، ومع كل حرفٍ شعرتُ بألم علاقتي بأبي. كان من البعثيين الأوائل، ترك الحزب عام 1963 بعد أن أدرك طغيانه، وكان رجلاً سياسيّاً تأثرتُ به. علّمني رفض الظلم، لكنه رحل عن الدنيا وأنا في السجن، شعرتُ بتأنيب الضمير، أصبحتُ المعيلة الوحيدة لعائلتي، لقد مات حزناً علي،ّ لم أعرف لرحيله معنىً آخر.
في السجن، عرفنا أن زوج صديقتنا المعتقلة أميرة حويجة، مضر الجندي، استُشهد تحت التعذيب، بينما بقيت ابنتُه الطفلة في رعاية خالتها. كانت أخبار الموت تنهشُنا، تقتلُ أرواحَنا ونحن داخل الجدران. ومع ذلك، تحمّلنا ذلك كله بفضل بشر… بشر لا نعرفهم. السجّان، مدير السجن، أو حتى طبيب في لحظة إنسانية عابرة. حادثة لن أنساها: كنت مريضةً بالتهاب الجيوب الأنفية، فأرسلوني إلى المشفى. هناك، وجدتُ هاتفاً في الغرفة، كنتُ وحدي، فاغتنمت الفرصة واتصلت بأهلي. دخل الطبيب فجأة، وقفتُ متجمّدة، لكنه توقف للحظة، نظر إليّ وقال بهدوء: استعجلي، ثم تركني أكمل المكالمة. خاطَر بنفسه من أجلي، مجرّد طبيب عابر، لكن لحظته تلك تعني لي كل شيء.
الزيارات عذابٌ ومعاناةٌ للأهل. أختي ربيعة التي تحمّلت العبء مبكّراً عندما تأتي لرؤيتي، كانت تتعذّب، تنتظر بالساعات، ومع ذلك أحياناً تمنع من لقائي. ذات مرّة، رأيتها عن بعد في الممرّ. يا إلهي! كان السجّانون يُخرجونها من ممرٍّ آخر كي لا نراها نحن السجينات. كانت تترجّى السجّانين ليسمحوا لنا بلحظة لقاء، لكنهم رفضوا. هناك أم عبدو، إحدى السجّانات، كنت أثق بها، فطلبتُ منها أن تتصل بأهلي وتطمئنهم عني، وأخبرَتهم أني على قيد الحياة. فعلت ذلك بالفعل. مرّة أخرى، ساعدني شرطيٌّ في إرسال رسالة إلى أهلي، ليعرفوا أنني سأكون في المشفى يوماً معيّناً. وصلت الرسالة، وجاءوا لرؤيتي. حين رأيتهم… بكيتُ… بكينا جميعنا. أنا حزينةٌ على أشجار الليمون المحترقة، حزينةٌ على شتلات الورد التي كانت هنا، حتى لو كان السجن سجناً، لا أريده أن يتدمّر، بل أن يتحوّل إلى شيءٍ آخر، شيء مفيد للبشر. أنظري إلى هذا الركام… هنا كنا نطبخ! هنا عشنا! ومن يدمّر هذا المكان يدمّر جزءاً منا. نريد استعادته وتأثيثَه لمستقبل مختلف.
في السجن، تعرّفتُ على قاع المجتمع، من خلال علاقتي بالسجينات الجنائيات. رأيتُ كيف يمكن للإنسان أن يكون مجرماً وضحيةً في آن، كيف تختلط الأدوار. كانت أغلب النساء ضحايا مجتمع ذكوري، ارتكبن جرائم قتلٍ بسبب ظروفٍ مرعبة وقاسية. تعاطفتُ معهن، عشتُ يومياتهن، ورأيتُ وعرفت بلدي أكثر بعيون أخرى. انظري هنا! (تشير بيدها ونحن نقف وسط الركام داخل المهجع). هنا كنتُ أنام… وفي تلك الزاوية، كانت تنام سميرة الخليل، التي اختُطفت من دوما عام 2013. ما إن دخلتُ شوارع دوما حتى تذكّرتها فوراً. تذكّرت إنسانيّتها، حنانها، مساعدتها الجميع. كيف غابت عن هذه اللحظة؟ تذكّرتُ ابتسامتها عندما دخلت المهجع… هنا، هنا عشنا تلك الحياة!)
في المكان الذي بُني فيه السجن وسُجنت فيه نساءٌ عديدات، ومن بينهن سمر، كانت هناك حياة سياسية نشطة، فالدوامنة كانوا من أوائل المنضمّين إلى حزب البعث منذ أيام ميشيل عفلق، ومع وصول حافظ الأسد إلى السلطة، ازداد انخراطهم فيه. يقول أسامة خلبوص: "أهل دوما قوميون عروبيون، كانوا ناصريين، وكانت مدينتُهم، إلى جانب مدينة التل، مركزاً مهمّاً للحركة الناصرية. حين وقع انفصال الوحدة، خرجوا بتظاهراتٍ حاشدة ضد الانفصال، القومية العربية كانت جزءاً أساسيّاً من وعيهم السياسي. أما الشقّ الثاني من وعيهم فارتبط بالصحوة الإسلامية في الثمانينيات من القرن الماضي، لقد انقسمت دوما إلى شقّين: الإخوان المسلمين الذين كانوا بأعداد هائلة، والناصريين الذين تفوقوا عدداً على الإخوان". دوما كانت مركزاً للإخوان المسلمين والناصريين. في الحقيقة، ميولها الدينية المتأثرة بالتقاليد الصوفية الحنبلية كانت تجعلها منسجمةً مع نوعٍ من التشدّد، ما جعلها أكثر تقارباً مع التيارات الأشعرية ذات النزعة الصوفية. لذلك، حظي تنظيم الإخوان بقاعدة دعم قوية في المدينة، حيث انخرط عديدون من أبنائها فيه أو ناصروه.
يشبه أهل دوما معظم سكان الغوطة ودمشق، فهم لم يكونوا ميّالين للعسكرية ولا يحبّون الجيش، بل فضّلوا الزراعة والتجارة، إلا أنهم كانوا مسيّسين بامتياز. كانت عائلات سلام، خبية، كرداس، وهبة، وفليطاني كلها ناصرية، بينما كانت هناك عائلاتٌ أخرى تتبنّى التشدّد مثل بدران، خلبوص، وخنشور. خلال انتفاضة الإخوان المسلمين، كان الدوامنة من أوائل من احتضن مقاتلين من حماة وحلب للمشاركة في العمليات العسكرية في دمشق وحلب. أصبحت دوما رابع أكبر مركز لـ"الإخوان" بعد حلب، جسر الشغور، وحماة، بل كانت المعقل الدمشقي الرئيسي لهم. كما أن أمين سر جماعة الإخوان المسلمين، بديع خلبوص، كان من أبناء دوما، وقد قضى حياته في المنفى بعد أن قُتل أخوته بالأسيد خلال حكم حافظ الأسد. لم يقتصر العنفُ على "الإخوان"، بل طاول الناصريين أيضاً، حيث تعرّضوا للبطش بحجّة "الإخوان". أما الشيوعيون، الذين كانوا أقلية في دوما، فقد نالهم نصيبٌ من القمع، إذ عمد النظام إلى إضعافهم وتصفيتهم. كانت الحياة في المدينة تحت رقابةٍ أمنيةٍ خانقة، فُرضت خلالها الإتاوات، والملاحقات، والاعتقالات.
في ظل حكم حافظ الأسد، بدأ التيار السلفي بالظهور متأثراً بانتشار الوهابية في حوران، لكنه ظلّ أقلية حتى الثمانينيات، كان برز مع عبد الله علوش (والد زهران علوش) في السبعينيات، وبقي الوجود السلفي هامشيّاً، وظلت الكتلتان الكبريان في المدينة هما الناصريين والإخوان المسلمين، بينما البعثيون، رغم قلتهم، نما عددهم بسرعةٍ بفضل الامتيازات التي منحها لهم النظام. بعد مجزرة حماة (فبراير/ شباط 1982)، نالت دوما نصيبها من العقاب، حيث شهدت القتل، السجن، التهجير، والنفي. غادر كثيرون إلى السعودية، قطر، والأردن، ومن بينهم أخي، الذي قضى 27 عاماً في المنفى. وعندما اندلعت الثورة السورية، ساهمت دوما في احتضان "الإخوان"، حيث أنشأت مجموعاتهم المسلحة كتائب الهدى، بينما شكّل الناصريون جيش الأمة، والسلفيون أقاموا جيش الإسلام. أما الشيوعيون، فقد كان لهم وجود في دوما أيضاً، برزوا في عائلاتٍ، مثل العسكري والزريق. كل هذا التراكم السياسي جعل دوما بؤرة مهمّة للثورة، قائمة على ثأر تاريخي ضد نظام الأسد، الذي مارس القمع ضدها عقوداً طويلة، تماماً كما فعل مع حماة؛ تم تهميشها وإقصاؤها، وأُلحقت بها صورةٌ سلبيةٌ شيطانية في سرديات النظام.
بين هذه العجالة في محاولة سبر تاريخ دوما السياسي وفهم ما يقوله أسامة خلبوص، ابن المدينة المنفي في باريس، الذي يتحدّث عنها بفخر ممزوج بحماسٍ وحزن عميق، وبين تلك المرأة التي دفعت ثمن انتمائها السياسي؛ يبدو أن فضاء دوما وسجنها عالقٌ في حِجرة الزمن. أمام دمار المدينة وحركة الناس الباحثين عن لقمة عيش، وأمام أصوات الأطفال، تبدو دوما مثل أي بلدة أخرى في ريف دمشق، كأن هناك مسحاً للذاكرة، حيث يتشابه الخراب إلى حدّ التطابق، خراب البشر والشجر والحجر.
تحاول سمر البقاء، وأنا أريد أن نخرُج. الحفرة العميقة التي صنعتها القذيفة في قلب المهجع كادت تبتلعني. تماسكتُ أمام سمر وأنا أحثها على المغادرة، حركتنا ثقيلة؛ المشي بين الأنقاض ليس سهلاً. تخرُج سمر من المهجع لكنها لا تريد الخروج. ونحن نهمّ بمغادرة المكان، تنظُر إلى الجدران المهدّمة بأسى، تتوقّف كل لحظة لتضيف تفصيلاً آخر عن حياتها هنا، عن رفيقات نضالها، عن جيلٍ كاملٍ جاء في بداية الحقبة الأسدية بعد الثمانينيات، ثمّة لغاتٌ متعدّدةٌ للألم في كلامها ولكن ثمّة مساحة ملتبسة للأمل أيضاً.
تهزّ رأسها يميناً ويساراً، كأنها ترفض ما تراه. لا أخبرها بما قاله أسامة خلبوص عن دوما، لا أعرف إن كان الجيل الذي جاء لاحقاً يعرف تاريخ المدينة كما يعرفه أسامة الذي كان يتحدّث عن مدينته كعاشق، وبين هذه المرأة التي كانت سجينةً عندما كان هو في العاشرة من عمره، يتحدّث كلٌّ منهما عن دوما بطريقته؛ هو لم يعرف ما عاشته، وهي لا تعرف عنه شيئاً، لكن ربما كان يلعب قرب سور السجن فيما كانت هي وزميلاتُها يتشمّسن في باحته. نخرُج؛ تخرُج سمر مرغمة، ولا عجب أن ذاك اليوم، رغم كونه من أيام شباط الباردة، كان مشمساً بما يكفي ليكسر صقيع قلبها، وهي تخرُج مطأطئة الرأس، تشير بيدها إلى المكان وتعيد الجملة نفسها مراراً:
"والله... كتير زعلانة، ليه دمروا هالسجن!"
(روائية سورية)
