هدم جبانات القاهرة... إجبار الأحياء على إعادة دفن الأحبة

منذ ١٧ ساعات ١٨

حددت الحكومة المصرية مواقيت لهدم "جبانات" عدة في العاصمة القاهرة ومدن أخرى، من أجل شق وتوسعة طرق ومد جسور، وأتاحت لذوي الموتى مهلة لنقل رفاتهم، لكن المهمّة ليست بتلك السهولة

يسابق المصري عبد الكريم العزيزي الزمن لنقل رفات ابنته المتوفية قبل ثلاث سنوات، وتتركز جهوده على استخراج الأوراق اللازمة لنقل الرفات وإعادة دفنها  قبل انتهاء المهلة، مثل كثيرين ممن تلقوا التحذيرات، لم يتوقع العزيزي، وهو موظف حكومي، أن تكون إجراءات نقل الرفات بتلك الصعوبة، إذ وجد نفسه مطالباً بوثائق من بينها "إعلان وراثة" و"قيد عائلي"، وتحصيل توقيعات من جميع الورثة على طلب الموافقة على نقل الرفات.
يقول العزيزي لـ"العربي الجديد": "اشتريت كفناً أبيض جديداً كما تقضي الترتيبات، لأكفّن به ابنتي الراحلة. في ذات اليوم، كنت أشتري فستان زفاف ابنتي الكبرى، أزف واحدة إلى الدنيا، والثانية إلى الآخرة، انتهيت من الإجراءات قبل يوم واحد من انقضاء مهلة النقل، وكان ذلك قبل الزفاف بيومين فقط، وكانت أسرتي ستعانق الفرحة لأول مرة منذ ثلاث سنوات، لكنها اضطرت إلى الوقوف على رأس القبر المفتوح لاستخراج جثمان ابنتي الصغرى". 
خلال استخراج الجثمان، علا نحيب الأم، وصوت بكاء الأخوات، قبل وضعه في نعش آخر احتضنه الأب، قبل أن تبدأ رحلة أخرى إلى قبر آخر اشتراه مما ادخره لجهاز الابنة الكبرى، التي كانت حاضرة رغم أنها ستجلس على منصة الزفاف بالثوب الأبيض بعد ساعات قليلة.
يضيف الأب المكلوم: "قبل أن تنطلق بها سيارة نقل الموتى إلى مثواها الذي نأمل أن يكون الأخير، ولا تداهمه جرافات شق الطرق، كان الأمر كما لو أننا ندفنها للمرة الأولى، والألم الذي اعتقدنا أننا تجاوزناه عاد كاملاً. رغم كل شيء، حاولت تجاوز تلك التجربة القاسية من أجل عدم إفساد فرحة ابنتي في يوم زفافها المرتقب، فنحن مصرون على الفرح رغم فتح الجرح الذي كنا نظن أنه شفي".
ما مرت به أسرة العزيزي، تعرضت له أيضاً عائلات مصرية عدة وجدت نفسها مضطرة لإعادة دفن أحبائها في أماكن جديدة، مع حملات حكومية متسارعة لهدم المقابر. في القاهرة، قام موظفو حي البساتين، الذين يضم عدداً كبيراً من المقابر، بترقيم القبور المستهدفة بالهدم، ومن بينها مقبرة الشاعر الشهير محمود سامي البارودي، ما أربك الأهالي الذين لم يكن لديهم بدائل.
وقد سارع المقتدرون منهم لشراء مدافن، وسط أزمة كبيرة تسببت في ارتفاع أسعار المدافن عدة أضعاف، في حين طرحت الحكومة بدائل عبارة عن مدافن صغيرة في أماكن متطرفة، من بينها منطقة العاشر من رمضان على أطراف القاهرة الكبرى. 
"تكريم الميت دفنه"، عبارة أثيرة لدى المصريين، إذ إنهم يعرفون منذ القدم بحالة فريدة من الاعتناء بموتاهم، وبناء قبور شاهقة لهم، مثل الأهرامات، ودفن مقتنياتهم الأثيرة معهم، بل وحيواناتهم الأليفة أيضاً، مع تصميم القبور بشكل يضلل لصوص المقابر عنها. حديثاً لم تعد المخاطر تتمثل في سرقة المقابر أو طمرها أو نسيان موقعها، لكن في هدمها بحجة العمران.
كانت تجربة طارق حربي أقسى، إذ علم من رفاق المسجد بنبأ هدم المقبرة التي دفن فيها شقيقه قبل سنوات، يقول: "مات شقيقي الأصغر فجأة، ولم يكن لدينا مدفن، فاضطررنا لدفنه في مقبرة تابعة لجمعية خيرية، تسمى مقبرة الصدقة، وقد بنيت بتبرعات الخيرين من رواد المسجد".
هرع طارق إلى المقبرة التي تضم رفات شقيقه مع آخرين، ليجد الجثث متراصة في غرف الدفن السفلية، لكنه لم يعرف رفات شقيقه، وحاول تذكر مكان دفنه قبل ثماني سنوات لكنه فشل، وحينما سأل "اللحاد" قال إنه لا يتذكر أيضاً، وكانت المعضلة أنه يخشى أن يأخذ رفاتاً ليست لشقيقه ليدفنها في مدفن حصل عليه على طريق الجيزة- الفيوم، ليقف حائراً وسط آخرين من ذوي الموتى. في النهاية، تواصل مع أقارب وأصدقاء، وحاولوا تذكير بعضهم بالموضع، ثم أخذ الجثة الأكثر احتمالاً أن تكون لشقيقه، ومضى بها إلى المدفن الجديد.

يحكي طارق لـ"العربي الجديد" حكاية غريبة، إذ جاءه شقيقه الراحل في المنام عقب الدفن بأيام، ليشير إليه بموضعه في المقبرة القديمة المستهدفة بالإزالة، مطالباً إياه بأن ينقذه، ليفهم من ذلك أنه أخذ رفات ميت آخر غير شقيقه، فذهب من فوره إلى شيخ المسجد مستفتياً، فأفتاه بأن ينقل الرفات المشار إليه في الرؤيا، التي عدها وصية، وأن يعتبر دفن الشخص الآخر صدقة على غريب، ربما يعجز أهله عن إعادة دفنه.
حين عاد إلى المدفن القديم، وجد أن ذوي الموتى قاموا بنقل الرفات الذي شاهده في منامه، فعاد ليسأل شيخاً آخر، فأفتاه بأن لا يمضي وراء رؤياه، وأن ما يتبقى من الإنسان مجرد عظام ورفات، وليس مهماً أن يعرف مكانها، بدليل أنه لا أحد يعرف مكان دفن موتاه في "البقيع" بالمدينة المنورة.
ورغم الجهود الشاقة المتسارعة المبذولة لإتمام نقل الرفات، فإن العملية تستغرق في المعتاد ما بين ثلاثة إلى ستة أشهر، تشمل استخراج الأوراق، وتجهيز المدافن، بيد أن المهلة الممنوحة لم تعطِ كثيرين متسعاً من الوقت، ما أضاف عبئاً إضافياً على عاتق العائلات.
قبل أن تزيل الجرافات مقبرة الأسرة التي ترقد فيها وحيدتها، وقفت أميرة أمام مقبرة عائلتها في منطقة الإمام الشافعي، في صباح مشحون بالأسى، والهواء ممزوج برائحة غبار المقابر المفتوحة، تستعيد ذكريات يوم دفن ابنتها، حين كانت تقف وسط الحشود وهي تبكي. 

كانت عيونها تدمع بينما حمل شقيقاها رفات ابنتها التي فارقت الحياة قبل سنوات، وكأن الزمن قد عاد بها، وأحيا الألم من جديد. تقول لـ"العربي الجديد": "كل خطوة خلال عملية النقل كانت تُعيد إليّ صوراً من حياتنا معاً، وكأنني أعيش الفقد مرة أخرى. في العاشر من رمضان، حيث جرى نقل الرفات، تبدو المقابر الجديدة منظمة ومحاطة بأسوار، وتحتوي على شوارع مرقمة، لكنها تحتوي على لحود بدلاً من غرف الدفن، ما يجعلها غريبة وغير مألوفة. المكان بارد، ويفتقر إلى الدفء الذي كان يغمر المقبرة القديمة".
فقدت مها والدها قبل سنوات، لكنها كانت مضطرة إلى نقل رفاته من مقبرة السيدة نفيسة بسبب أعمال توسعة الطرق في المنطقة، وتقول لـ"العربي الجديد": "كان الحزن على أبي أفدح عند دفنه هذه المرة من المرة الأولى، والتي كان فيها أمامي جسداً كاملاً، بينما اليوم نخرج عظامه، وكأن الموت تجسد كائناً خرافياً يلتهم أجساد أحبائنا".
بينما تروي سلوى موقفاً أشد فداحة، قائلة: "عرف البعض مكان دفن أحبائهم في المستقر الجديد، بينما أخرجوا رفات أبي، ودفنوه في مقبرة بمنطقة العاشر من رمضان. لا أعرف مكانه، ولا أستطيع زيارته. شعرت كأن جزءاً من روحي قد ضاع، فالمقابر الجديدة تفتقر إلى الروح التي كانت تحيط بقبور السيدة نفيسة. لم يكن هذا مجرد فقدان للمكان، بل فقدان لصلة روحية تربطني بأبي".

أما أحمد، فَفَقد والده في سن صغيرة، ولم يشهد جنازته، وشاءت الأقدار أن يحضر "جنازته الثانية" عندما أُجبر على نقل رفاته بعد مرور 44 سنة على وفاته، يقول: "كنت في التاسعة من عمري عندما توفي والدي، ولم أتمكن من حضور جنازته، لكن عندما فتحوا القبر، كانت اللحظة الأكثر إيلاماً في حياتي، أعدت دفنه كأنني أخسره للمرة الأولى".
بدورها، ورثت إيمان مقبرة لأفراد عائلتها في منطقة "باب النصر"، ووجدت نفسها مجبرة على إخراج رفات خمسة أجيال من أسرتها، تقول لـ"العربي الجديد": "أخرجنا عظام أموات العائلة في أكياس من القماش. أتذكر يوم نقل الرفات إلى المقابر الجديدة في العاشر من رمضان. المقبرة القديمة كانت بمثابة منزلنا الثاني، وكانت العائلة تتجمع بها في الأعياد والمناسبات، لكن المكان الجديد أصبح مجرد حفرة صغيرة لا تحمل شيئاً من تاريخ عائلتنا، كيف يمكن لقرار إداري أن يمحو ذاكرة عائلة بأكملها؟".
نقلت نادية نقلت جثمان زوجها إلى المقبرة الجديدة، وعاشت خلال ذلك مشاعر حزينة، تقول وهي تتذكر لحظات الوداع المرة: "كان إحساساً غريباً؛ مزيجٌ من الحزن عليه، والراحة لأنني أديت واجبي تجاهه، لكن المقبرة الجديدة لا تحمل دفء القديمة، والتي اعتدت الكتابة على جدرانها، وتركت رسائل عدة لزوجي الراحل، وكأنه سينهض ليلاً ليقرأها على ضوء القمر".

قراءة المقال بالكامل