قبل انطلاق جولة المباحثات الجديدة بشأن وضع حد للحرب الروسية على أوكرانيا التي جرت في السعودية يومي 24 و25 مارس/ آذار الماضي بين مسؤولين أميركيين وروس من جهة ومسؤولين أميركيين وأوكرانيين من جهة ثانية، عادت موسكو إلى التشكيك بشرعية الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وذهبت إلى ضرورة إقرار تعديلات في الدستور الأوكراني لإنهاء الحرب.
وقال سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو، للصحافيين قبل أيام، إن الدستور الأوكراني يمنع بدء المفاوضات السلمية مع روسيا وإنهاء الحرب. وأوضح أن "الدستور الأوكراني يحظر أي مفاوضات بشأن تغيير وحدة الأراضي"، مشيراً إلى أن هذه هي "الصعوبة الرئيسية" في الوصول إلى اتفاقات سلمية. وأضاف أن "من بين المشاكل الأخرى، هناك الحظر الذي فرضه زيلينسكي على إجراء مفاوضات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين"، مؤكداً أن روسيا أيضاً لا تعرف "مع من تتحدث" في كييف، نظراً لوجود "مسألة شرعية زيلينسكي". وقال شويغو إن التوصل إلى حل لجميع هذه القضايا سيكون ضرورياً لتوقيع اتفاق سلام بين موسكو وكييف.
الدستور الأوكراني لا يمنع التفاوض
لا تمنع النصوص الصريحة في الدستور الأوكراني التفاوض مع روسيا، لكن عدة فقرات في الدستور تشدد على عدم التنازل عن أي قطعة من الأرض أو القبول بسيطرة أجنبية عليها، إضافة إلى عدم القبول بالإملاءات الخارجية على توجهات السياسة الخارجية. وتؤكد المادة الأولى من الدستور أن "أوكرانيا دولة مستقلة وذات سيادة"، فيما تنص الثانية على أن "سيادة أوكرانيا تمتد إلى كامل أراضيها، وهي موحدة ولا تتجزأ". وتشدد المادة الثالثة على أن "حقوق الإنسان وحرياته مصانة، ويجب ألا تُنتهك، بما في ذلك الحق في تقرير المصير". وتنص المادة 17 من الدستور على "حماية السلامة الإقليمية لأوكرانيا، وأي تغيير في الحدود يتطلب موافقة باستفتاء شعبي".
تشدد عدة فقرات في الدستور الأوكراني على عدم التنازل عن أي قطعة من الأرض أو القبول بسيطرة أجنبية عليها
وفي فبراير/ شباط 2019 وافق مجلس الرادا (البرلمان) الأوكراني على تعديل دستوري، أدرج الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) ضمن أهداف السياسة الخارجية والدفاعية للبلاد. وحسب البند الخامس المعدل من المادة 85 "يُمنح الرادا الأعلى الأوكراني صلاحية تحديد المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية، بما في ذلك السعي للانضمام إلى ناتو". وتلزم المادة 102 في بندها الأول "الرئيس الأوكراني بتنفيذ السياسة الخارجية للدولة، بما في ذلك التوجه نحو الانضمام إلى ناتو". وفي المادة 116 المخصصة لواجبات الحكومة فإنه "يجب على الحكومة الأوكرانية تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية، ومن ضمنها الخطوات العملية نحو الانضمام إلى ناتو".
وبعد ضم شبه جزيرة القرم في 2014، أقر البرلمان الأوكراني مشروع قانون عد روسيا "دولة معتدية" ما يقيد خوض مفاوضات قد تُفسر على أنها تنازل عن الأراضي الأوكرانية. وفي مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2022، فعّل زيلينسكي قرار مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني بحظر إجراء المفاوضات مع روسيا طالما بقي بوتين في السلطة. واتخذ هذا القرار رداً على ضم روسيا لأربع مقاطعات أوكرانية هي دونيتسك وخيرسون وزابوريجيا ولوغانسك. ومع ذلك، أوضح زيلينسكي في يناير/كانون الثاني الماضي أنه حظر إجراء المفاوضات للجميع باستثناء نفسه. وبناء على النصوص السابقة، فإنه لا يمكن للمفاوضين الأوكرانيين، ومن ضمنهم زيلينسكي، التنازل عن القرم أو أي أجزاء من المقاطعات الأربع التي ضمتها روسيا في خريف 2022، وأي تنازل عن هذه المناطق يتعارض مع الدستور الأوكراني. كما أن التراجع عن هدف الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي يعد خرقاً للدستور، لأن أي اتفاق قد يفرض قيوداً على سياسة أوكرانيا الخارجية أو الدفاعية، مثل حيادها أو عدم انضمامها إلى "ناتو"، يتعارض مع حق أوكرانيا الدستوري في تحديد سياساتها المستقلة. وعليه فإن أي اتفاق يتضمن التنازل عن الأراضي لمصلحة روسيا، أو التراجع عن هدف الانضمام إلى "ناتو" يتطلب تعديلات دستورية.
الدستور الروسي
اعترفت روسيا باستقلال أوكرانيا بحدودها في العام 1991، ومن ضمنها القرم. وفي 1994 كانت طرفاً ضامناً لسلامة أراضي أوكرانيا الإقليمية مقابل التخلي عن ترسانتها النووية في معاهدة بودابست. وفي 2014، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، وعدتها جزءاً من أراضيها.
وفي يوليو/ تموز 2020، حظرت تعديلات دستورية، وافق عليها الروس في استفتاء، تسليم أجزاء من الأراضي الروسية. وبموجب التعديلات، يعد الدستور الروسي فوق القوانين الدولية، ويسمح لموسكو بعدم تطبيقها إذا كانت تتعارض مع القوانين الجديدة. وتنص المادة الرابعة على أن "سيادة الاتحاد الروسي تمتد إلى كامل أراضيه، وأن الدستور الروسي والقوانين الفيدرالية لها الأسبقية على كامل أراضي الاتحاد الروسي". وحسب المادة 67 من الدستور الروسي فإن "حدود الاتحاد الروسي تشمل أراضي كياناته الفيدرالية، ومياهها الداخلية، وبحرها الإقليمي، والمجال الجوي فوقها"، مؤكدة أن "تعديل حدود الاتحاد الروسي ممكن فقط بموجب قانون فيدرالي وبموافقة الكيانات الفيدرالية المعنية".
تلمح تصريحات سيرغي شويغو إلى ضرورة تعديل الدستور الأوكراني قبل استكمال المفاوضات
ورغم أن الدستور الروسي يعترف بأهمية القانون الدولي في المادة 15، فإن موسكو تضع سيادتها ومصالحها الوطنية فوق أي التزامات دولية، وعليه فإن أي اتفاق يُنظر إليه على أنه يفرض شروطاً مجحفة على روسيا مرفوض دستورياً. وتنص المادة 79 من الدستور على أن السيادة الوطنية فوق الالتزامات الدولية وأن "الاتحاد الروسي قد يشارك في اتحادات بين الدول، وينقل إليها جزءاً من صلاحياته وفقاً للمعاهدات الدولية، إذا لم يؤد ذلك إلى تقييد حقوق الإنسان والحريات، وإذا لم يتعارض مع أسس النظام الدستوري للاتحاد الروسي". ويشدد الدستور على أن أي اتفاق يتطلب من روسيا التنازل عن أراضيها قد يُعتبر انتهاكاً لأسس النظام الدستوري، خاصة فيما يتعلق بالسيادة والسلامة الإقليمية. وبناء على ذلك فإن أي تنازل عن القرم أو المناطق الأخرى التي تعتبرها روسيا جزءاً من أراضيها سيتعارض مع الدستور الروسي، الذي يؤكد على حماية السلامة الإقليمية للدولة.
وبموجب التعديلات الدستورية فإنه لا يحق للرئيس، في الفقرة 80، التنازل عن أي قطعة من الأراضي الروسية، إذ تشير إلى أن "رئيس الاتحاد الروسي هو الضامن للدستور وحقوق الإنسان والحريات، وهو المسؤول عن حماية سيادة الاتحاد الروسي واستقلاله وسلامة أراضيه"، وعليه فإن أي تنازل عن الأراضي التي تعتبرها روسيا جزءاً منها سيكون بمثابة انتهاك لصلاحيات الرئيس وواجباته الدستورية. ويلزم الدستور السلطات بحماية حقوق الروس والناطقين بالروسية في الخارج، وفقاً للمادة 61، وعليه فإن أي اتفاق يتجاهل هذه النقطة قد يواجه معارضة داخل البلاد، خاصة من قبل القوميين والمحافظين الذين يعتبرون هذه القضية أساسية. وتنص المادة الرابعة في الدستور الروسي على الأولوية القصوى لحماية الأمن القومي وسيادة الدولة، ما يعطل إمكانية الانسحاب من أي منطقة تسيطر عليها روسيا، ويمنح الجيش إمكانية ضرب أهداف في أوكرانيا في حال تم نشر قوات أجنبية من بلدان معادية لروسيا.
بين الدستورين ووقائع الميدان
تصر روسيا على مطالبها بانسحاب أوكرانيا من جميع المناطق التي ضمتها في 2022، وحياد كييف، ونزع سلاحها، ونزع مظاهر النازية، وتضيف شروطاً إضافية مثل تنظيم انتخابات رئاسية في أوكرانيا بحجة عدم شرعية زيلينسكي منذ مايو/ أيار 2024.
وبرز ما ذكرته صحيفة "ذا إيكونوميست"، الاثنين الماضي، من أن زيلينسكي يسعى لرفع الأحكام العرفية وإجراء انتخابات رئاسية هذا الصيف. واشارت الصحيفة نقلاً عن مصدر في الحكومة الأوكرانية إلى أن "زيلينسكي كلف مكتبه، الأسبوع الماضي، بالبدء في تنظيم الانتخابات بعد التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار، وهو الأمر الذي تعتقد القيادة الأميركية أنه قد يتحقق بحلول 20 إبريل/ نيسان الحالي. وأضافت الصحيفة: "موعد الانتخابات الرئاسية سيتم تحديده بناء على نتائج تصويت البرلمان الأوكراني بشأن تمديد الأحكام العرفية"، التي تنتهي في الثامن من مايو/ أيار المقبل، لافتة إلى أن "إلغاء الأحكام العرفية هي الخطوة الأولى والضرورية لبدء العملية الانتخابية".
وتلمح تصريحات شويغو الأخيرة إلى ضرورة تعديل الدستور الأوكراني قبل استكمال المفاوضات. والأرجح أن مطالبها السابقة والجديدة تنطلق من قناعة النخب الروسية بفائض القوة في ظل تقديم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنازلات كبيرة قبل جولات المفاوضات، تضمنت الحديث عن ضرورة أن تتنازل أوكرانيا عن قسم من أراضيها، ونسيان قضية الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وحديث ترامب عن شرعية منقوصة لزيلينسكي، وشعبية منخفضة لا تتجاوز 4%، ومقامرة باندلاع حرب عالمية ثالثة. وتعيد موسكو التذكير ببنود في الدستور الأوكراني حول شرعية زيلينسكي، وتطالب بتعديلات تمهد لتنازلات من المفاوضين الأوكرانيين من دون الالتفات إلى بنود دستورية روسية تمنع أي مرونة بخصوص أراضٍ احتلتها وأخرى تريد احتلالها في أوكرانيا.
