ودائع محتجزة وعدالة مؤجلة... صراع المودعين في لبنان بلا أفق

منذ ٦ أيام ١٢

في بلد تتراكم فيه الأزمات وتتراجع فيه الثقة بالمؤسسات، تبقى حقوق المودعين في المصارف اللبنانية من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل، ومنذ اندلاع الأزمة المالية، وجد آلاف المواطنين أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى مدخراتهم، وسط غياب المعالجات الرسمية وغياب العدالة المالية. وفي ظل غياب الحلول الجذرية وتنصّل الدولة من مسؤولياتها تجاه المواطنين، يواصل المودعون في لبنان معركتهم لاسترجاع أموالهم المحتجزة في المصارف، وسط انسداد الأفق وتفاقم الشعور بالظلم. وقد دفعت هذه الأزمة بعضهم إلى اتخاذ خطوات فردية أو اللجوء إلى القضاء، رغم الاتهامات المتكررة بتواطؤ بعض القضاة مع النظام المصرفي.

تعكس إحدى القضايا نموذجاً عن عمق الأزمة وتداخل أبعادها المالية والقضائية، من خلال الجهود المتواصلة، وشهادة مودع واجه المصرف والقضاء لاستعادة وديعته، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تكريس واقع الإفلات من المحاسبة وغياب أي حلول عادلة وشفافة. وفي السياق، قال المودع بسام الشيخ حسين في حديث خاص لـ"العربي الجديد" إن "ما دفعني إلى اقتحام المصرف عام 2022 هو التعميم 158 الذي يمنح المودع 400 دولار شهرياً، بينما كنت بحاجة ماسة إلى المال، وكان المصرف يمتنع عن إعطائي هذا المبلغ".

وأوضح أن المصرف بدأ يماطل ويتعمد تأخير تسليمه أمواله، ما دفعه إلى اتخاذ خطوة الاقتحام، وبالنسبة إلى الدعوى القضائية، أشار إلى أنها استغرقت وقتاً طويلاً جداً، يقارب الثلاث سنوات، لكن القضاء كان منصفاً إلى حدّ ما، إذ منحه الحكم البدائي حقه كاملاً. وأضاف أن رابطة المودعين كانت الداعم الأول له، إلى جانب عدد من المودعين المتضامنين، وقد عملوا طيلة السنوات الثلاث الماضية من أجل تحقيق هذا الهدف. وأكد الشيخ حسين أن الدولة كانت الغائب الأكبر عن القضية، كما هي العادة في كل مرة، بينما كانت الرابطة هي الجهة الأساسية التي تابعت الملف منذ اليوم الأول. وتابع قائلاً: "يجب على الحكومة الجديدة أن تعمل على استعادة ثقة المواطنين، أما أنا فلا أثق بالنظام بأكمله، وليس فقط بالنظام المالي".

بدوره، صرّح محامي رابطة المودعين فؤاد الدبس، في حديث خاص مع "العربي الجديد"، بأن عمليات اقتحام المصارف من قبل المودعين بدأت في أغسطس/آب 2022، عندما دخل المودع بسام الشيخ إلى "فيدرال بنك" في الحمرا للمطالبة بوديعته المحتجزة، نظراً لحاجته الماسة إليها. وأوضح الدبس أن بسام كان قد أودع أمواله في المصرف على مبدأ "اترك قرشك الأبيض ليومك الأسود"، خاصة في ظل غياب أي ضمانات اجتماعية أو مساعدات من الدولة اللبنانية.

وأضاف أن المودعين قَبِلوا بالتعميم 158 الصادر عن مصرف لبنان لتأمين احتياجاتهم، إلا أن "فيدرال بنك" يُعتبر من أسوأ المصارف. وعند دخول بسام الشيخ إلى المصرف، طالب باسترداد وديعته، لكنه تمكن من تحصيل 35 ألف دولار فقط من أصل وديعته التي كانت تبلغ حوالي 200 ألف دولار.

وأكد الدبس أن "فيدرال بنك" رفع دعوى قضائية ضد بسام الشيخ، محاولاً اتهامه بالسرقة وتعريض المصرف للخطر، لكنه أشار إلى أنه تم رفع دعوى مدنية لاستعادة المبلغ المتبقي، واستغرقت القضية عامين ونصف العام حتى صدور الحكم الابتدائي، الذي جاء لصالح المودع، مؤكدًا أن الوديعة يجب أن تُدفع للمودعين بكامل قيمتها، وليس عبر شيكات أو تحويلات. ووصف الدبس هذا الحكم بأنه إنجاز حققه المودع في مواجهة المصرف والقضاء وحاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة. لكنه أشار إلى أن المصرف من المتوقع أن يستأنف الحكم، نظراً لوجود قضاة متواطئين مع المصارف في محاكم الاستئناف.

ولفت إلى أن رابطة المودعين رفعت حوالي 500 دعوى قضائية، لكنها ترى أن الحل لا يكمن فقط في الدعاوى، بل في وضع خطة تعافٍ شاملة وعادلة وشفافة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، مشيراً إلى أن هناك مماطلة في البت بالدعاوى، سواء المدنية أو الجزائية، حيث تقدم المصارف طعوناً غير ضرورية وتمارس ضغوطاً على عائلات المودعين، بما في ذلك تهديدهم بعدم دفع مستحقاتهم. ومع ذلك، اعتبر هذه القضية بارقة أمل في وجه شراء القضاء من قبل المصارف والمصرفيين، مشيراً إلى أن نسبة الأحكام الصادرة لصالح المودعين لا تزال قليلة جداً، إذ يرفض بعض القضاة النظر في القضايا بحجة عدم الصلاحية أو يصدرون أحكاماً لصالح المصارف.

أما في ما يخص رئيس الجمهورية الجديد، فقد أبدى الدبس مخاوفه من أحد مستشاريه الماليين، الذي كان سابقاً مديرًا في "بنك الإمارات لبنان" (Emirates Lebanon Bank)، والذي يُعرف بسوء إدارته وانتمائه إلى مجموعة المصارف. لذلك، يرى أن التوقعات من العهد الجديد ليست كبيرة. وشدد على أن الرابطة تطالب باستعادة حقوق المودعين كاملة، لكن ليس على حساب الدولة أو باقي المواطنين، إذ لا ينبغي تحميل الدولة هذه الخسائر، بل يجب أن يتحملها أصحاب المصارف والمؤسسات المصرفية المتورطون في هذه الجريمة. لذلك، يرفض بيع الذهب أو أراضي الدولة لتغطية الخسائر.

وبالنسبة للخطوات المقبلة، أوضح الدبس أن الرابطة تسعى إلى التوصل إلى حل رضائي، نظراً لأن الاعتماد على القضاء وحده قد يستغرق سنوات طويلة، في حين أن المودعين استنفدوا صبرهم ولم يعد بإمكانهم الانتظار أكثر. وأشار إلى أن رئيس الحكومة الجديد، نواف سلام، على دراية بهذه القضية، لكنه حذّر من أن حكومته تضم أيضاً شخصيات مصرفية، مما قد يؤثر على القرارات المتعلقة بحقوق المودعين.

قراءة المقال بالكامل