القضية الكردية في تركيا: فرصة للحل من بوابة "الكردستاني"

منذ ٢ شهور ٣٤

تشهد القضية الكردية في تركيا مرحلة جديدة على طريق حلها، وهذه المرة عبر مساعٍ لإقناع زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل منذ 1999، عبد الله أوجلان، بدعوة مقاتلي حزبه لإلقاء السلاح، مدخلاً للدفع نحو تسوية للصراع المتواصل منذ سنوات طويلة، بين أنقرة وهذا الحزب الذي تحظره وتحاربه في تركيا والعراق وسورية. وفي جديد هذا الملف، عقد وفد من حزب المساواة والديمقراطية للشعوب (ديم) الكردي في تركيا، في 22 يناير/كانون الثاني الحالي، لقاء مع أوجلان في محبسه بجزيرة إمرلي، هو الثاني من نوعه خلال أقل من شهر، وذلك ضمن مسار يستهدف إصدار أوجلان دعوة ليلقي عناصر "العمال الكردستاني" سلاحهم وإعلانه حل الحزب، مقابل العفو عنه. وكان نواب من حزب العدالة والتنمية الحاكم، قد أبدوا سابقاً تفاؤلهم بأن تؤدي اللقاءات إلى نتيجة ملموسة بحلول فبراير/شباط المقبل، وصولاً إلى عيد النوروز في مارس/آذار المقبل.

وكان شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي قد شهد مبادرة من زعيم "الحركة القومية" دولت باهتشلي، وهو حليف الرئيس رجب طيب أردوغان، بمصافحة نواب حزب ديم، ما فتح الأبواب أمام تطبيع العلاقات بينهما. أتبعها باهتشلي بدعوة وجّهها إلى أوجلان لإعلان حل "العمال" وترك سلاحه مقابل الاستفادة من العفو. والتقى وفد من "ديم" مع أوجلان لأول مرة في سجنه يوم 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي، قبل أن يجري الوفد سلسلة اجتماعات مع أحزاب وشخصيات سياسية تركية شملت رئيس البرلمان نعمان قورطولموش، ولأول مرة بشكل رسمي مع باهتشلي، وبقية الأحزاب خلال الأسبوعين الأخيرين. في السياق، نقلت صحيفة حرييت التركية أنه في حال استجابة حزب العمال الكردستاني لدعوة إلقاء السلاح فإن الاتفاق سيشمل خروج 200 من القيادات الرفيعة من الحزب، من كل من تركيا وسورية والعراق، إلى دول ثالثة، وهناك استعدادات في هذا الإطار بأنقرة.

أرق القضية الكردية في تركيا

القضية الكردية في تركيا مسألة قديمة تؤرق البلاد والمنطقة، وتُعنى بثاني أكبر مكوّن يضم ملايين المواطنين يمثلون أكثر من 10% من سكان تركيا. مع تشكل الجمهورية التركية في العام 1923 بدستورها ومبادئها القائمة على الدولة القومية التركية، لم يتأخر الأكراد بثورتهم، وبرزت ثورة الشيخ سعيد في العام 1925 واستمرت شهراً ونصف الشهر، ثم انتهت بسحقها، لكنها حققت شعبية من قبل العشائر الكردية. واستمرت السياسة التي تقوم بالتركيز على المناطق الغربية في البلاد وإهمال المناطق الشرقية عموماً، ومنها مناطق جنوب شرقي تركيا حيث الغالبية الكردية.

إسماعيل جوكتان: أردوغان هو الرئيس الثاني الذي حاول حل القضية الكردية سلمياً بعد أوزال 

تسببت الانقلابات في تركيا في ستينيات وثمانينيات القرن الماضي، ومرحلة الصراع مع "الكردستاني" الذي تأسس عام 1978، بفرض قانون الطوارئ الذي سمح للقوى الأمنية بصلاحيات أكبر، خصوصاً الجيش، وهو ما تسبب بقمع الأصوات التي تخالف الانقلابيين. فتحولت القضية الكردية في تركيا المعروفة باسم "قضية الشرق"، إلى مسار جدل في البلاد. في الفترة ما بين 1925 إلى 1938 شهدت المنطقة 17 تمرداً، وفي الفترة 1950-1980 وانقسام البلاد إلى يمين ويسار تأثرت القضية الكردية في تركيا بها سياسياً، فيما شهدت المنطقة منذ العام 1978 إلى العام 2002 فرض قانون الطوارئ فيها.

وشكّل أوجلان مع مجموعة من منابع الثوار الأكراد الثقافية (DDKO)، حزب العمال الكردستاني في سبعينيات القرن الماضي، من مجموعة من الطلاب، وأجرت لقاءات مع البعثات الأجنبية في تركيا، ونفذت نشاطات في جنوب شرقي البلاد قبيل فرار أوجلان إلى سورية في العام 1979، ما جعله يفلت من اعتقال منفذي انقلاب العام 1980. وتشتت حزب العمال الكردستاني وبات يعمل عن بعد، ليبدأ بالنشاط المسلح في العام 1984، ما ترك تأثيراً في الرأي العام، فيما استمرت العمليات العسكرية وصولاً لاعتقال أوجلان في العام 1999.

أعلن الحزب وقف إطلاق النار بعد اعتقال أوجلان، لكن ذلك انتهى عام 2004 وعاد للعمل المسلح. وأطلقت الحكومة التركية عام 2012 حواراً سرياً مع الحزب في النرويج، وفي العام التالي أطلقت مرحلة السلام وشكلت لجنة الحكماء. لكن العمليات المسلحة تواصلت ودخلت مرحلة جديدة من الصراع تجاوزت الحدود بشكل كبير شملت شمالي سورية والعراق، فيما حققت القوات التركية نجاحات كبيرة، دون أن تؤدي للقضاء على الحزب.

مساعي الحل

يمكن تقسيم مساعي حل القضية الكردية في تركيا خلال العقود السابقة، إلى مرحلتين، الأولى ما قبل حكم حزب العدالة والتنمية (2002) وأردوغان، والمرحلة التالية لحكم أردوغان. سيطر على المرحلة الأولى التعامل مع القضية بشكل عسكري بحت عبر فرض قانون الطوارئ في المنطقة، وترك الأريحية للقوات المسلحة، ما ضيق هامش الحكومات التركية المتعاقبة، إذ لم تقدم على خطوات هامة في تحقيق المطالب الكردية، أهمها الاعتراف بالأكراد وبلغتهم وحرية ممارستها وحريتهم السياسية. أما المرحلة الثانية، فشهدت حراكاً فاعلاً تجاه حل مشاكل الأكراد، من خلال رفع حالة الطوارئ من جهة، ومساعي الحكومة عبر تنفيذ مشاريع تنمية في المنطقة واستخدام القوة الناعمة بهذا الإطار، إلى جانب إجراء إصلاحات، شملت تأسيس إعلام وطني ناطق باللغة الكردية. فتأسست قناة تي آر تي باللغة الكردية عام 2008، ودخلت مادة اللغة الكردية الاختيارية في المدارس عام 2012. لكن هذه الممارسات والمشاريع الخدمية في المنطقة من افتتاح المطارات والمدارس ومشاريع التنمية لم تسهم بحل القضية الكردية في تركيا. كما لم تنهِ حزب العمال الكردستاني، مع استمرار إغلاق الأحزاب السياسية الكردية، واعتقال السياسيين وحرمانهم من العمل السياسي.

بحلول العام 2013 قاد حزب العدالة والتنمية أبرز مشاريع حل مسألة حزب العمال الكردستاني بعد حوار عبر جهاز الاستخبارات في أوسلو قبلها بعام. فأطلقت مرحلة السلام، واستضيف فنانون ممنوعون من الدخول إلى تركيا، وقرأت رسائل أوجلان بالتركية والكردية لـ"الكردستاني" بإلقاء السلاح في احتفالات النوروز بديار بكر، جنوب شرقي تركيا. وبالفعل أعلن الحزب الكردي عزمه إلقاء السلاح، وتبع ذلك تعديلات دستورية من قبل الحكومة في العام 2014 وتشكلت لجنة الحكماء وقدمت تقريرها بعد أشهر من العمل. كما جرت لقاءات بين حزب الشعوب الديمقراطي والقيادات في قنديل، شمالي العراق، وصولاً للعام 2015 والانتخابات التشريعية التي جرت حينها. لكن لم تنجح هذه الجهود لأسباب داخلية وخارجية، أهمها التطورات في سورية، وتشكل خريطة قوى جديدة في المنطقة وظهور الوحدات الكردية، إلى جانب الصراع بين حكومة العدالة والتنمية وجماعة الخدمة المتغلغلة في الدولة. فحصل تفجير في أحد تجمعات حزب الشعوب الديمقراطي بديار بكر عام 2015، وبعدها حصل تفجير آخر بمنطقة سوروج جنوب شرقي تركيا أيضاً، فانطلقت عمليات عسكرية لـ"العمال" ضد الجيش التركي.

كل ذلك لحقه إعلان مناطق حكم ذاتي في عدة ولايات ذات أغلبية كردية، من قبل حزب العمال الكردستاني في العام 2015 أسوة بالتي شكلتها الوحدات الكردية بسورية. وتخلل هذه المرحلة أيضاً حصول "أحداث كوباني" إبان هجوم تنظيم داعش على مدينة عين العرب (كوباني، وهي امتداد جغرافي لسوروج) السورية عام 2014، فأعيد تدويل قضية الأكراد. ومع الصراع الداخلي بين الحكومة التركية وجماعة الخدمة، عاد الصراع المسلح بين "العمال الكردستاني" والجيش عام 2015، وبعدها طورت الحكومة استراتيجيات جديدة حيال المنطقة و"الكردستاني" وتكثف العمل العسكري، وصولاً للمبادرة الأخيرة التي أطلقت قبل بضعة أشهر.

وعن مراحل ومبادرات حل القضية الكردية في تركيا والصراع بين الحكومة و"الكردستاني" خلال العقود الماضية، قال الكاتب والصحافي إسماعيل جوكتان، لـ"العربي الجديد"، إن "السبب الرئيسي لثورات الأكراد هو الإنكار الممنهج من قبل الدولة لحقوقهم". وأضاف أنه "بعد فشل الثورات ظل الأكراد مبتعدين عن المشهد السياسي، وأسس أوجلان حزب العمال الكردستاني، فيما كان رد الدولة التركية عنيفاً جداً طول تسعينيات القرن الماضي، رغم أن الرئيس السابق تورغوت أوزال حاول حل القضية الكردية بشكل سلمي إلا أنه توفي بعد فترة قصيرة". ولفت إلى أن "الرئيس الثاني الذي حاول حل القضية الكردية بطريقة سلمية، كان أردوغان عام 2013".

ولفشل حل القضية الكردية في تركيا عام 2013، أسباب عدة، وفق جوكتان، "أولها أن الظروف السياسية الإقليمية ذاك الوقت لم تكن مناسبة لهذه الخطوة، فأردوغان لم يكن قوياً سياسياً مثل ما هو عليه اليوم، ولم يكن هناك دعم كاف من الأطراف السياسية التركية لهذه المحاولة، إذ كان حزب العدالة والتنمية الحاكم هو الحزب الوحيد الداعم لهذا المسار". وأضاف أنه "بالنسبة للوضع الإقليمي كانت الثورة السورية في أخطر مراحلها، حينها كان النظام السوري منسحباً تماماً من المناطق ذات الأغلبية الكردية في شمال شرقي البلاد، ما أعطى مساحة كبيرة لحزب العمال الكردستاني لتوسيع نفوذه". وأوضح أنه "بتأثير هذا الوضع نفذ الحزب عمليات عسكرية داخل المدن ذات الأغلبية الكردية في تركيا، وتسبب بتوترات كبيرة قبيل انتخابات 2015 أدت إلى عودة العمليات العسكرية للجيش التركي على طرفي الحدود بين سورية وتركيا".

أحدث المبادرات

وعن المحاولة الجديدة لحل القضية الكردية في تركيا والصراع مع "الكردستاني"، قال جوكتان إن "المسار الجديد يتميز بثلاثة فوارق، أولاً خلافاً للسابق، فجميع الأطراف السياسية في تركيا تدعم الحل هذه المرة، فباهتشلي هو من أطلق الإشارة الأولى لبداية المسار الجديد، وأيضاً حزب الشعب الجمهوري أعلن تأييده لهذه الحملة". ثانياً فإن "العمليات العسكرية التي تلت انهيار المسار الأول من الحل، كسرت قوة حزب العمال بشكل كامل داخل تركيا، وأدت إلى طرده خارج الحدود مع تقليص قدراته العسكرية بشكل كبير في العراق". أما ثالثاً فقد "انتصرت الثورة السورية على نظام (بشار) الأسد الذي كان يدعم وجود الكردستاني ويعطي الحجة لحماية أميركية لهذا الحزب، فأصبح الأخير محاصراً تماماً في شرق الفرات وفقد مشروعيته في نظر السوريين وبات مشروعه الانفصالي مستحيلاً". واعتبر أن "هذه الأسباب تدفع الدولة التركية للإصرار على مطالب تصفية الكردستاني وإطلاق حملة المصالحة مع الأكراد لضمهم بشكل كامل لهذا المسار".


غونغور يافوز أصلان: المبادرة الجديدة للحل متميزة لأنها صدرت عن باهتشلي، رأس التيار القومي

من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي غونغور يافوز أصلان، لـ"العربي الجديد"، إن "الحكومات السابقة حاولت حل مسألة حزب العمال الكردستاني منذ عقود، لكن لم تتحقق (المساعي) بشكل فعلي سوى خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية". ورأى أن هذه المساعي "اعتبرت في العام 2013 مخاطرة سياسية عبر مرحلة السلام التي هدفت إلى ترك السلاح من قبل الكردستاني، لكن الأخير تشدد ولم يتخلَ عن السلاح، وبالتالي لم تحقق المرحلة تقدماً"، مضيفاً أنه "بخلاف هذه المرحلة كانت المحاولات السابقة مجرد أقوال بلا أفعال أو خطط للتنفيذ، ولم تكن هناك مبادرات جادة". وعدّ الجهود الأخيرة "متميزة لأنها صدرت عن رأس التيار القومي في البلاد، وهو باهتشلي، ما يُعتبر مبادرة لافتة جداً وقيمة، وحالياً هناك انتظار أن يلقي أوجلان خطاباً يدعو فيه الحزب لإلقاء السلاح"، معتبراً أنه "قبل رصد ردود الفعل على هذا النداء من الصعب التكهن بنتائجه، لكن المعلومات المتوفرة حالياً تشير إلى أجواء إيجابية".

قراءة المقال بالكامل