قرّاءٌ شباب في ضيافة نادي "بوك هُبْ"

منذ ٦ ساعات ٢٠

في خطوة تعكس التغيّرات التي تشهدها الساحة الثقافية المصرية، حقّقت مجموعة القراءة "بوك هب" نجاحا لافتًا بعدما أصبحت واحدة من أبرز التجمّعات الأدبية الشبابية في مصر. المبادرة، التي أطلقها الشاب سيف الدين عصام عام 2023، لم تكتفِ بجذب آلاف القراء، بل تحوّلت إلى منصة مؤثّرة تجمع بين محبي الكتب والكتّاب، ما دفع مبادرة "المشروع الوطني للقراءة" إلى تسليط الضوء عليها في فيلم قصير يعرض رحلتها وتطورها.

من فكرة بسيطة إلى مشروع ثقافي مؤثر

بدأت "بوك هب" صفحةً على فيسبوك، لكنها سرعان ما تخطّت حدود العالم الافتراضي، لتصبح مجتمعًا حقيقيًا يجمع أكثر من 17 ألف متابع، ويستقطب أسماءً بارزة في المشهد الأدبي العربي. كان سيف الدين عصام، مؤسّس المجموعة، نموذجًا لجيل جديد من الشباب الذين وجدوا في القراءة وسيلة لفهم العالم والتفاعل معه، بعدما بدأ رحلته الأدبية من كتيبات الجيب التي تصدرها "المؤسسة العربية الحديثة"، مرورًا بالروايات التاريخية والخيالية، مثل "عزازيل" ليوسف زيدان، "أرض الإله" لأحمد مراد، وصولًا إلى اهتمامه بالنقد الأدبي.

الكتب بالنسبة لسيف الدين ليست مجرد قصص مسلية، أو أوقات ممتعة يقضيها خلال تصفحه لأوراقها، بل هي أبعد من ذلك، إنها الطريقة الأمثل للانخراط في العالم، وفهمه، وكذلك التأثير فيه.

هذا الشغف هو ما دفعه إلى تأسيس مجموعة القراءة غير الربحية، التي تهدف إلى تسليط الضوء على الكتابات التي تستحق، وكذلك نشر القراءة بين الشباب، بالذات الأصغر سناً. ثم إطلاق مبادرات ثقافية داخل "بوك هب"، كان أبرزها "مزاد في الهب"، حيث تبرع المؤلفون بنسخ مجانية من كتبهم لدعم نشر الأدب في ظل ارتفاع أسعار الكتب. كما نظّمت المجموعة فعاليات نوعية، مثل ورشة النقد الانطباعي مع الكاتبة مي التلمساني، التي أثمرت عن إصدار كتاب نقدي جماعي بعنوان "النقد في الهب"، إلى جانب برامج مثل "خمسة في الهب" و"مع الحبايب"، التي استضافت كتابًا من مختلف أنحاء العالم العربي. كذلك ورشة "غلطة الشاطر" لتعليم الكتابة الإبداعية مع الكاتب "خالد زيدان".

تميّزت المجموعة بجذبها لجيل "زد" (مواليد 1997 - 2012)، وهو جيل نشأ في ظل الثورة الرقمية، ويتفاعل مع الأدب بطرق مختلفة عن الأجيال السابقة. أظهر هذا الجيل اهتمامًا واضحًا بالقراءة، ليس فقط كمتعة فردية، بل كوسيلة للتواصل والمشاركة، عبر كتابة مراجعات الكتب على وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر مقاطع فيديو تحليلية، خصوصًا على "تيك توك".

تخطّت حدود العالم الافتراضي وضمت أكثر من 17 ألف متابع

وعلى عكس الفكرة النمطية عن عزوف الشباب عن القراءة، تكشف تجربة "بوك هب" عن تغير واضح في ذائقة هذا الجيل، حيث يبحث أفراده عن أعمال ذات جودة أدبية، وينخرطون في مناقشات نقدية مع كتّابهم المفضلين. هذا التفاعل يظهر جليًا في الفعاليات التي تنظمها المجموعة، حيث يشارك الأعضاء في نقاشات حية حول الأعمال الأدبية، وهو ما يساهم في تشكيل وعي نقدي جديد، يتجاوز حدود القراءة السطحية.

"بوك هب".. مساحة لمواجهة العالم

بالنسبة للعديد من المشاركين، لا تمثل "بوك هب" مجرد مجموعة قراءة، بل مساحة للتواصل والتعبير ومشاركة الشغف بالكتب. يرى مؤسسها أن القراءة ليست فقط وسيلة للهروب من الواقع، بل أداة لفهمه ومواجهته، خاصة بالنسبة لجيل نشأ في ظروف سريعة التغير، حيث أصبحت المبادرات الثقافية محطة ارتكاز تتيح لهم إعادة تشكيل علاقتهم بالعالم من خلال الأدب.

تعقد المجموعة لقاءات "أونلاين" و"أوفلاين" لمناقشة كتاب مختار لكل فترة. ويرى مؤسس المشروع أن هذا الجيل لا يزال يبحث عن طريقته في القراءة والتعبير، خاصة أنه جيل موصوم بانطباعات نمطية من الأجيال الأكبر، مثل أنه منفصل عن الواقع، أو بعيد عن الثقافة العربية، أو متأثر بشكل أكبر بالثقافات الغربية.

لكن القراءة تحسّن اللغة، وربما كان هذا هو الدافع الأساسي في تأسيس المجموعة: أن تقرأ، أن تقرأ مع أصدقاء تثق بهم، وأن تتحدث عمّا قرأته، وهذا هو ما يقربك أكثر من اللغة.

ليست "بوك هب" مجرد مساحة آمنة للحديث عن الكتب، لكنها دافع مستمر لمؤسسها ولكل الأعضاء للتصالح مع العالم، ومواجهة الضغوط الصعبة التي نعيش فيها. لأن انفصال هذا الجيل عن الواقع ليس ناتجًا عن جبن أو لامبالاة، بل ربما عن قسوة الواقع نفسه.

إنها القسوة التي تفتحت أعينهم عليها واستمروا في العيش تحت ظلالها، دون المرور بمحطات أكثر ثباتًا، مثل تلك التي حظيت بها الأجيال السابقة: محطات السلام أو الاستقرار أو الإيقاع الأبطأ للعالم. ربما كانت تلك المحطات تمنح الأجيال الأكبر بعض التوازن، لكن هذا الجيل، جيل "زد"، لم يمتلك محطات ارتكاز مشابهة، لذا كان عليه صنع محطاته الخاصة. ومجموعة "بوك هب" هي واحدة من تلك المحطات.

مع استمرارها في تقديم أنشطة متنوعة، تواصل "بوك هب" لعب دور محوري في تعزيز ثقافة القراءة بين الشباب، وإعادة تشكيل مفهوم النوادي الأدبية بما يتناسب مع العصر الرقمي. وفي ظل التحديات الاقتصادية والثقافية التي تواجه المشهد الأدبي، يبدو أن مثل هذه المبادرات الشبابية هي ما يمنح الأمل في مستقبل ثقافي أكثر إشراقًا.

 

* روائية من مصر

 

قراءة المقال بالكامل