تشهد مدينة سنجار، شمالي العراق، منذ أربعة أيام، احتقانا أمنيا وانتشارا عسكريا للجيش العراقي، وسط مخاوف من تصعيد محتمل بين الجيش والأمن العراقيين من جهة ومليشيا "وحدات حماية سنجار"، المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، من جهة ثانية، وذلك إثر اشتباكات اندلعت بينهما ليل الثلاثاء الأربعاء، أوقعت خمسة جرحى في صفوف الجيش، كما طالب عدد من النواب بعقد جلسة برلمانية طارئة لبحث الملف.
وتقع مدينة سنجار ضمن المثلث الجغرافي العراقي السوري التركي، شمالي العراق ضمن محافظة نينوى، وتحاذيها من الجانب السوري محافظة الحسكة. وظلت سنجار طوال السنوات الماضية مسرحاً لأنشطة حزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا والذي أنشأ مليشيات محلية عديدة تتولى أدواراً أمنية مختلفة، بما فيها عمليات تجنيد السكان المحليين. وتقول بغداد إن حزب العمال الكردستاني، الذي صنفته أخيراً "منظمة محظورة"، يقوم بأدوار تهدد استقرار المدينة وسائر مدن الشمال العراقي الحدودية مع تركيا وسورية.
وكانت قوات الجيش العراقي قد عززت انتشارها في المدينة بعد الاشتباكات مع "وحدات حماية سنجار" واعتقال عدد من عناصر المليشيا، التي تُعرف أيضاً باسم "اليبشه"، ووقع الاشتباك إثر عملية تفتيش نفذتها قوة من الجيش في إحدى مناطق المدينة. ووفقاً لضابط في الجيش العراقي، فإنّ "قوات الجيش وسّعت من نطاق انتشارها بالمدينة وضواحيها، منذ أمس الخميس، ومنعت تحركات بسيارات تابعة لعناصر المليشيا عبر نقاط تفتيش فرضتها قوات الجيش"، مضيفاً، لـ"العربي الجديد"، مشترطاً عدم ذكر اسمه، أنّ "توجيهات صدرت من بغداد بضرب أي تحرّك للمليشيا بما فيها مناطق جبل سنجار وسنوني بضواحي المدينة". وأشار إلى إمكانية تعزيز القوة الحالية من الجيش بقوات أخرى يتم استقدامها من خارج سنجار "في حال تطلب الأمر ذلك".
وتُصرّ قوات الجيش العراقي على اعتقال جميع المتورطين في مهاجمة قوات الجيش العراقي وإحالتهم إلى القضاء، وهو ما ترفضه المليشيا وتطالب في المقابل بإطلاق سراح من تم اعتقالهم من عناصرها، يوم الثلاثاء الماضي. وحذرت المليشيا من مغبة "عدم إطلاق سراح معتقليها"، وقالت، في بيان، أمس الخميس، إنّ الجيش العراقي "شنّ هجوماً غادراً (قبل أربعة أيام) على سيارة تابعة لقواتنا، وأسفر الهجوم عن أسر خمسة من رفاقنا، وبعضهم جرحى تم التمثيل بهم وضربهم ولا يزال مصيرهم مجهولاً حتى الآن"، مضيفة: "حاولنا حل الملف إلا أنّ هذه المحاولات لم تلق أي استجابة".
وقالت المليشيا إنه "رغم وضوح ما حدث، هناك بعض التصريحات الصادرة عن قيادة الجيش التي تصف رفاقنا الذين تم أسرهم بالإرهابيين والمرتزقة، ونرفض تلك التوصيفات بشكل قاطع"، معتبرة الحادث أنه "جاء نتيجة تآمر وخطة مدبرة من بعض ضباط الجيش بالتنسيق مع إحدى المؤسسات الأمنية". وطالبت بـ"الإفراج الفوري عن مقاتلينا الخمسة، وسنقوم بكل ما يلزم لضمان حريتهم، مع ذلك، نفضل حل هذه الأزمة بمسؤولية وبدون تصعيد، تجنباً لوقوع أي تداعيات خطيرة قد تنجم عن الحادثة"، بحسب البيان.
واتهم الناشط في الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل، حسن البرواري، حكومة بغداد بـ"التقصير بالملف"، وأكد، لـ"العربي الجديد"، أنّ "أهالي المدينة يعيشون حالة خوف وقلق دائم بسبب وجود تلك الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون"، معتبراً أنّ بغداد "مقصّرة بإدارة الملف، ويجب عليها أن تتحمّل مسؤوليتها، وأن تنفذ اتفاق التطبيع في سنجار، الذي ينصّ على إخراج تلك الجماعات"، مشدداً على أنّ "الوضع غير مطمئن وقد انعكس على الأهالي، كما أنّ حالة عدم الاستقرار تمنع عودة النازحين إلى سنجار، الأمر الذي يجب على بغداد أن تتحمّل مسؤوليتها إزاءه".
النائبة عن المكون الأيزيدي، فيان دخيل، دعت مجلس النواب العراقي إلى عقد جلسة طارئة بشأن الأحداث في سنجار، وقالت، في بيان، إنّ "تلك الأحداث تعكس استمرار التوتر الأمني وانعدام الاستقرار في المنطقة، وسط تصاعد المخاوف من تفاقم معاناة الأهالي الذين لا يزالون يرزحون تحت وطأة النزوح والدمار الذي حلّ بهم". وأضافت أنّ "تكرار هذه الأحداث يعرقل جهود إعادة الاستقرار ويؤكد الحاجة الملحّة إلى تحرّك عاجل لإنهاء حالة الفوضى الأمنية، وفرض سلطة القانون، بما يضمن حماية المدنيين وعودة الحياة الطبيعية إلى القضاء".
وشددت النائبة على أنه "من غير المقبول أن تظل هذه المدينة وأهلها رهائن للصراعات، بينما لا يزال آلاف النازحين ينتظرون العودة، ولا يزال ملف المختطفين دون حلول جذرية"، مطالبة الحكومة بـ"تحمل مسؤولياتها الكاملة، والعمل الجاد على إنهاء هذه الأزمات، وحماية المدنيين، وفرض سلطة القانون".
وينص اتفاق سنجار، الذي وقّعته حكومتا بغداد وأربيل، برعاية الأمم المتحدة، عام 2020، على إنهاء وجود حزب العمال الكردستاني، وإخراج الفصائل المسلحة، وتسليم الملف الأمني في محيط المدينة للقوات العراقية من الجيش والشرطة الاتحادية، وفي مركز سنجار لقوات الشرطة المحلية والأمن الوطني التي يتكون منتسبوها من أبناء المدينة.
كما ينص على تشكيل إدارة محلية مشتركة بين بغداد وأربيل تتولى مهمة إعمار سنجار وإعادة النازحين، حيث لا يزال أكثر من 300 ألف من أهالي المدينة يعيشون بمخيمات خارجها، وهم من الأكراد الأيزيديين والعرب، على الرغم من مرور أكثر من تسع سنوات على تحرير المدينة وطرد تنظيم "داعش" منها.
