مراهق العائلة: عالم الأبوّة ينهار بلقطة واحدة

منذ ٢٠ ساعات ٢٠

طرحت "نتفليكس" Adolescence (بالعربية: مراهق العائلة) يوم الـ13 من مارس/آذار الماضي، وكان سهلاً تفويته في زحام مسلسلات الجريمة التي يوفّرها عملاق البث التدفقي؛ فلا تضفي وسومه التصنيفية كثيراً من الفضول لمشاهدته، إلّا أن المسلسل البريطاني ذا الحلقات الأربع ارتقى بجودته عن معظم ما تتيحه "نتفليكس" عادة، مستغلّاً شروط الإنتاج المريحة في تقديم دراما تقارب مناخ إنتاجات "بي بي سي" الأثيرة.
يتحد ستيفن غراهام مؤلّفاً وبطلاً للمسلسل مع جاك ثورن مبتكر عدّة مسلسلاتٍ بريطانية، مثل Best Interests وThe Accident، وأخيراً Toxic Town (نتفليكس). ناقشت هذه الأعمال تأثيرات المؤسّسة الرسمية بما ينظمها من قوانين على حياة الأفراد ضمن بُناهم الاجتماعية. تركّز أعماله عادة على كارثة تبدّد العالم الاعتيادي للشخصيّات، وتنتقل في الصراع، ضمن ظرفٍ استثنائي، إلى أروقة وسياساتٍ بيروقراطيّة، يحدّدها القانون، وتلقي بظلها على موازين قوى الأفراد ضمن عائلاتهم ومحيطهم، وينظر بإدراكٍ واضح لضرورة القانون وقصوره، طارحاً أسئلة المصلحة الفضلى، مبتعداً قدر الإمكان عن وضع مسبباتٍ قادت إلى نتائج، بقدر ما يضيء على مكامن الخلل التي ستصل إلى هذه المعضلات المتناقضة.
قس على ذلك أيضاً علاقات الشخصيّات وتشابكاتها، فهي غير قائمة على حدثٍ يقود إلى آخر، إنّما هي أقرب إلى خزّانات مشاعر متجاورة تضطرم وتهادن، والحدث يكتفي بإشعال الفتيل، بينما الحبكة أقرب إلى الإهمال، رغم أن المتفرّج لن يقاوم سؤال ماذا حدث وكيف، أو ما الحلّ، قبل أن يصل إلى خلاصة مفادها أن العمل يمضي إلى أسئلة أخرى، هي أيضاً بلا إجابات.
يستكمل "مراهق العائلة" مشوار شراكة غراهام مع المخرج فيليب بارانتاني بعد تعاونهما في Boiling Point. ومجدّداً، يعتمدان الخيار الفني بإنجاز الحلقات بنموذج اللقطة الواحدة، تفيد أسلوبية المخرج في عدّة مستوياتٍ تبعاً لكل حلقة، فتشارك في مستويات الروي وتموضع الشخصيات، وبالتالي مدى إدراكها للحدث، وتضمن للمشاهد تجربة بصرية باهرة، تجول بين الممرّات أو القاعات، أو في حركة خارجية من دون أي قطع، وكلّ ذلك في تزامنٍ متقن.
أراد صنّاع العمل منح سلاسة للمجريات، وليس الاستعراض التقني فحسب، وتمكنّوا من محاصرة الجمهور ضمن عوالم القصّة وتفاصيلها المنتقاة بعناية، فنتلمّس شكل الحياة السابق، ونشعر بأثر غياب الأفراد عن محيطهم الأصلي في المدرسة والبيت، وبالمثل غياب المحيط الآمن في قسم الشرطة والجلسة الاستشارية النفسية؛ إذ نشاهد الفتى جيمي (أوين كوبر) خارج بيئته المعتادة، من دون أن نرى حياته قبل إلقاء القبض عليه منذ المشهد الافتتاحي للمسلسل.
تجري مداهمة المنزل والاعتقال في الصباح الباكر، يتحطّم العالم العادي للأسرة على يد الشرطة الملتزمة ببروتوكولات استخدام القوة المناسبة للمتهمّين بجرائم القتل. ينتهي الأمر بالفتى وقد بلّل ثيابه. تتبع الأسرة دورية الشرطة لفهم القضيّة، وتمرّ أمامهم مسمّياتٌ وإجراءات قانونيّة لم يتعاملوا معها من قبل، بانتظار الكشف الذي لن يأتي قبل محامٍ وفحوصٍ طبّية، وترديد جملة "لا تعليق" في الاستجواب.


جيمي ليس نموذجياً لهذا النوع من القضايا، فلا جروح أو كدمات عليه. نظيفٌ وسليم الحسّ، لا يعاني من تأخّرٍ، يبدو طبيعياً، ما يحيّر الممرّضة. بدوره، يعتني المحقّق بضرورة تنبيه الأسرة باختيار المتكلّم البالغ نيابة عن الفتى، خشية أن يكون للجريمة ارتباطاتٌ بسلوك الأبوين. تثير هذه الطبيعية القلق للمحقق، ونشهد توتّره في علاقته مع ابنه، فهو مدركٌ لسموميّة بيئة المراهقين، لا سيما على المستوى الافتراضي، وإن كان لا يستطيع القبض على مفرداتها ودلالاتها من دون استعانة من ابنه الذي يفسّر الوسوم، تلك التي ظنّتها الشرطة علاماتٍ على المرح والصداقة، بينما لها معانٍ تنمّريّة بالنسبة للعارفين بترميزاتها من الجيل الأصغر، وأقصى ما يستطيع البالغون استيعابه أنها شبيهة بهراء آندرو تيت. ترزح عائلة جيمي تحت الحيرة نفسها: كل شيءٍ بخير، فما الذي اقترفناه؟ وكيف كان لنا تفادي الكارثة؟ وبناء على تراتبية الاطلاع على الأدلّة، وحده الأبّ من رأى الحقيقة المجرّدة مقارنة بالشقيقة والأمّ.
تُفرد الحلقة الثالثة مساحة واسعة لتشريح ذهنيّة جيمي المتّهم بجريمة القتل واضطراباته الشعوريّة. وعلى عكس بقية الحلقات، فهي محدودة المكان، والكاميرا قليلة الحركة. مع ذلك، لا يؤطّرها ضيق المكان وشروط جلسة المعالجة النفسية في زاوية واحدة، بل تستجيب لكلّ فعلٍ تؤدّيه الشخصيتان المتحاورتان، تحاكي الإيقاع ولا تتحكّم به، وتنقل مشهداً معقّداً للممثل أوين كووبر في أوّل أدواره (15 عاماً) أمام إرين دوهيرتي التي لا تتفلّت منها شخصيّة المعالجة، كأنّها تؤدي هذه الوظيفة بصعوباتها المعتادة يومياً.
اختار المسلسل تقديم الحكاية عبر شرائح زمنيّة متباعدة، في كلّ منها نعاين الحدث في وقته الحقيقي، ويختتم حلقاته بعد أكثر من سنة على اعتقال جيمي. نراقب العائلة محاولة الالتئام. الشرخ بادٍ وليس بالإمكان توريته. يمرّ يوم عيد ميلاد الأبّ بفجائعيّة قاسية رغم المحاولات الحثيثة لجعله طبيعياً. يستذكر الأبوان ضاحكين تاريخاً من الإحراج، بينما يحاولان مواجهة الوصمة الاجتماعية الحاضرة. يرفض الأب العودة إلى ليفربول التي لا تغادر لهجته، بعد مسيرة حياة بذل بها سنوات عمره عاملاً يوفّر لعائلته مستوى طيّباً من المعيشة، لينتهي المسلسل بالأب غارقاً بدموعه، وكذلك الجمهور.

بعد أيامٍ من العرض، تصدّر "مراهق العائلة" قوائم المشاهدات في بريطانيا؛ للمرة الأولى ينتصر الستريمينغ على بث القنوات في المملكة المتحدة في لوائح تعداد الجمهور، ووصلت مشاهداته إلى 66.3 مليوناً خلال أسبوعين على "نتفليكس" بالمجمل، علماً أن المسلسل ذاع صيته بوصفه مشاهدة عصيبة، ليحجز مكاناً بين أفضل أعمال السنة منذ ربعها الأول. يمتدّ تأثير "مراهق العائلة" ليشكّل إطاراً لحواراتٍ جدّية تشغل حيّزاً في الشأن العام البريطاني؛ فتتيح "نتفليكس" حالياً "مراهق العائلة" في الثانويّات البريطانيّة بمبادرة يساندها رئيس الوزراء، بينما بدأت تظهر حملاتٌ لمنع أجهزة الموبايل للأعمار دون الـ16 عاماً، ودعواتٌ لعرض المسلسل في البرلمان.

يفي ستيفن غراهام لمجتمعه من الطبقة العاملة، فيتوّجها باهتمامٍ عام، واقترابٍ من المأزق بدل إثارة الجدل حوله. في حديثٍ مع "ذا غارديان" عام 2019، يشير غراهام إلى أنّ انشغاله بأدوار طبقة العمّال ليس خياراً متقصدّاً، إنما يجد نفسه في الأدوار المشابهة لتلك التي تابعها خلال نشأته، عن قصص حقيقية تجري لأناسٍ حقيقيّين، وهؤلاء يعرف عيشهم على الهامش وغضبهم، إلّا أنّه يصرّ أن الضحكات موجودة أيضاً.

قراءة المقال بالكامل